الثقافةالرأي

هل ما زالت الجامعة المغربية تنتج المعرفة أم أصبحت تستهلكها؟

لا نكتب لإثبات أننا نعرف، بل نكتب لنساعد المجتمع على أن يفهم، لأن المعرفة لا تكتمل حتى تغادر أسوار الجامعة لتُحدث أثرا في المجتمع.
لطالما كانت الجامعة أكثر من مجرد فضاء للتكوين ومنح الشهادات. ففي المجتمعات التي تراهن على المستقبل، تمثل الجامعة عقلا منتجا للأفكار، ومختبرا لقراءة التحولات، ومجالًا لصناعة الأسئلة التي تساعد المجتمع على فهم واقعه واستشراف مستقبله.
لكن أمام التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، يفرض سؤال جوهري نفسه: هل ما زالت الجامعة المغربية تنتج المعرفة التي يحتاجها المجتمع أم أنها أصبحت في كثير من الأحيان تستهلك معارف منتجة خارجها وتعيد إنتاجها؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني التقليل من قيمة الجامعة المغربية أو من كفاءات أساتذتها وباحثيها وطلبتها. فالمغرب يتوفر على طاقات علمية مهمة، وعلى تجارب بحثية جديرة بالتقدير،غير أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد مرتبطا فقط بوجود الجامعة، بل بمدى قدرتها على جعل المعرفة التي تنتجها جزءا من حركة المجتمع وتطوره.
فالمعرفة لا تكتسب قيمتها فقط داخل قاعات الدرس أو رفوف المكتبات، وإنما عندما تتحول إلى حلول، وسياسات، ومبادرات، وأفكار قادرة على التأثير في الواقع.
وهنا يبرز أحد أكبر التحديات التي تواجه البحث العلمي: الفجوة بين الجامعة ومحيطها.
فكم من بحث جامعي أنجز بجهد كبير، وكم من أطروحة ناقشت إشكالات مهمة، لكنها بقيت في دائرة أكاديمية ضيقة ولم تجد طريقها إلى صانع القرار أو إلى الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
إن المشكلة ليست في غياب الإنتاج العلمي فقط، بل في ضعف آليات تحويل هذا الإنتاج إلى أثر. فالبحث العلمي الذي لا يصل إلى المجتمع يفقد جزءًا من رسالته، والجامعة التي تنعزل عن أسئلة الناس اليومية تخاطر بأن تصبح بعيدة عن وظيفتها الأساسية،
إن قضايا المغرب اليوم تحتاج إلى حضور أكبر للجامعة,قضايا الشباب، التشغيل، التنمية المجالية، التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، العدالة الاجتماعية، وتطوير السياسات العمومية. كل هذه الملفات تحتاج إلى معرفة علمية عميقة، وإلى باحثين لا يكتفون بوصف الواقع، بل يساهمون في اقتراح الحلول.
كما أن الجامعة مطالبة بمراجعة علاقتها بمفهوم البحث نفسه. فالبحث العلمي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مسار للحصول على شهادة أو تحقيق ترقية مهنية، بل يجب أن يبقى فعلا معرفيا يحمل مسؤولية تجاه المجتمع.
فالقيمة الحقيقية للباحث لا تكمن فقط في عدد المنشورات أو المشاركة في الندوات، وإنما في قدرته على إنتاج معرفة جديدة، وطرح أسئلة مختلفة، وربط تخصصه بحاجيات محيطه.
وفي زمن أصبحت فيه المعرفة تتغير بسرعة كبيرة، وفرضت فيه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي تحديات جديدة، لم يعد كافيًا أن تتابع الجامعة ما ينتجه الآخرون، بل أصبحت مطالبة بالمساهمة في إنتاج معرفة تنطلق من خصوصيات المجتمع المغربي وأسئلته الخاصة.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل لدينا جامعات؟
بل: أي جامعة نريد لمغرب المستقبل؟
نحن بحاجة إلى جامعة لا تكتفي بتكوين الطلبة، بل تساهم في تكوين الوعي؛ جامعة لا تكتفي بإنتاج الأبحاث، بل تعمل على إيصال نتائجها إلى المجتمع؛ جامعة ترى في المعرفة وسيلة للبناء وليس مجرد رصيد أكاديمي.
فالمجتمعات لا تتقدم فقط بما تملكه من إمكانات مادية، بل بما تنتجه من أفكار ورؤى وحلول. والجامعة التي تنجح في تحويل المعرفة إلى أثر، هي الجامعة التي تؤدي دورها الحقيقي في بناء المستقبل.
حبيبة اكوجديم

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/