الرياضة

من الرباط إلى أمريكا… كيف أسقطت العدالة الإلهية أقنعة الغدر الكروي

لا تقاس خيبات كرة القدم دائمًا بقرارات الحكام المجحفة أو بإهدار المهاجمين لفرص سهلة أمام شباك مشروعة بل بالأثر النفسي والسياسي العالي الجاذبية عندما تأتيك الطعنة من حيث لا يُتوقع ومن مكان خُيل إلينا أنه حصن حصين للائتمان والثقة.
في ليلة نهائي كأس أفريقيا الشهيرة بالرباط، لم يكن الأمر مجرد سوء تدبير لثوانٍ معدودة بل شعر الوجدان المغربي شعبًا وقيادة بمرارة طعنة غير متوقعة غُرزت في الظهر من بلدٍ لا تربطنا به حسابات الجوار الجغرافي العابر أو المصالح البراغماتية الجافة بل وشائج دم وضمانات تاريخية وروابط روحية صوفية استثنائية تجسدت في أبهى صورها حين اختار عاهل البلاد الملك محمد السادس ذات مرة أن يخاطب المغاربة في ذكرى المسيرة الخضراء من قلب عاصمتها.
عن السنغال نتحدث…
وفي تلك الليلة المشؤومة والعالم يتابع بشغف عرسًا أفريقيًا على أرض المغرب اختارت إدارة المنتخب السنغالي تصرفًا اعتبره الكثيرون بعيدًا عن الروح الرياضية وأعراف الأخوة فبمجرد إعلان الحكم عن ضربة جزاء مشروعة لصالح الأسود صدرت الأوامر السريعة للاعبين بالانسحاب من الملعب في مشهد سريالي بدا وكأنه مخطط لإفساد فرحة وطنية وقارية كان يُراد لها أن تكون تاريخية.
لكن كرة القدم كالتاريخ تمامًا تدور دوراتها لتضع الجميع أمام مرآة الحقيقة العارية.
لم يتأخر الزمن كثيرًا حتى أعاد السيناريو نفسه بحذافيره ودقة تفاصيله وفي نفس التوقيت تقريبًا خلال مواجهة المنتخب السنغالي لنظيره البلجيكي في الولايات المتحدة..هنا تفجر سيل من المقارنات والتساؤلات في الشارع المغربي أمام تناقض صارخ يفضح الإزدواجية بين انسحاب غاضب واحتجاج عارم في الرباط فور إعلان ضربة الجزاء للمغرب مقابل استسلام تام وهدوء غريب وانصياع مطلق أمام ضربة جزاء لصالح بلجيكا في أمريكا دون أي تلويح بالانسحاب أو إثارة للفوضى. وكأن ضربة الجزاء باتت بوجهين كالمنافق وجه يتمرد في الرباط مستقويًا على ذوي القربى ووجه ينصاع خنوعاً في ملاعب العالم.
وهو التفسير الوحيد والمنطقي لهذا الاندفاع أو التنمر المغربي المشروع- على كل حال – ضد المدرب السنغالي وإدارته التقنية والإدارية فهو ليس من قبيل التشفي أو الشماتة في الأشقاء بدولة السنيغال بل نراه إنصافٌا وقصاصٌا إلهيا عادلا للظلم والغدر الذي تعرضت له مشاعرنا في تلك الليلة المشؤومة.
و في واقع الأمر لا أجد مبرراً لمن يطرحون في الشارع المغربي هذا السؤال :
لماذا لم ينسحب مدرب السنيغال في أمريكا كما فعل في الرباط؟
بل لا أعرف حقيقةً لماذا نطالب مدرب المنتخب السنغالي وإدارته بالانسحاب بعد ضربة جزاء بلجيكية وهم لم يأخذوا أي مقابل مالي عن ذلك كما حدث في ضربة جزاء الرباط فبين الموقفين والمشهدين تكمن باختصار:
أجرة المرتزق الذي يتحرك عن بعد حيث توجد الحوالة المالية ولا يثور مجاناً في الملاعب الدولية ما لم تدفع له الجهة المحرضة ثمن صراخه وانسحابه.
ولأن المسافة بين المشهدين طرأت فيها أحداث ومواقف وقرارات تكشف أن ما جرى خلف الكواليس كان أكبر بكثير من رقعة ملعب فلا يمكن قراءة الالتفاتة الملكية السامية بالعفو على معتقلي الجماهير السنغالية مباشرة بعد إقالة صاحب رقم 55 دولة بإفريقيا إلا في ضوء فشل مخطط سياسي خبيث أراد استغلال كرة القدم لنشر الفتنة بين الشعبين ومحاولة تسميم العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
فالمعطيات المتوفرة من كواليس متقاطعة تؤكد أن ما وقع بالرباط كان تيارًا شعبويًا مأجوراً حاولت الجزائر استقطابه وتوظيفه لتعويض انتكاساتها الدبلوماسية وجبر كسرها بعد فقدان ورقة دولة مالي…
لقد سبقت الموقعة شهور من العمل الدبلوماسي الجزائري المكثف شمل تبادل زيارات سياسية ودينية لرجال الطريقة التيجانية الذين جرى استقبالهم في الجزائر ومنحهم هبات مالية ضخمة لخدمة المريدين وتحسين ظروف الزوايا عبر ربوع السنغال، فضلاً عن استثمار أزيد من خمسة ملايين دولار أمريكي لحفر الآبار وتجديد قنوات الشبكة المائية في عدة مدن وقرى سنغالية كعربون حسن نوايا ملغوم نتج عن كل ذلك تقارب مشبوه بين الاتحاديتين الجزائرية والسنغالية خلال كأس إفريقيا لإفشال العرس المغربي.
ولعل أخطر ما كشفته الكواليس هو الاختراق الصادم عبر أجهزة المخابرات الجزائرية التي تكلفت بمد إدارة المنتخب السنغالي بتقارير استخباراتية سريّة تزعم وجود مؤامرة “مسبقة الصنع” لحرمان السنغال من التتويج بالكأس على أرض الرباط وهي التقارير التي تبين لاحقًا أنها كانت عارية تمامًا من الصحة ومطبوخة بسوء نية لشحن النفوس وصناعة قرار الانسحاب الانفعالي المقبوض ثمنه.
لذلك نؤكد اليوم بوضوح أن المغرب ذهب ضحية إدارة كروية معزولة سقطت في فخ التقارير المفبركة والأموال المسمومة
وهي إدارة لا تمثل بأي حال من الأحوال الشعب السنغالي الشقيق ولا مواقف دكار الرسمية التي عبرت عن عمق العلاقات الثنائية وبشكل واضح وصريح خلال اجتماع اللجنة الرابعة للأمم المتحدة منتصرة للتاريخ المشترك بين البلدين

في الخلاصة.. وفي محكم هذه المفارقة الصادمة تتجلى الحقيقة العارية كطعنة حادة في صدر الوهم.. خاصة وأن عدالة السماء لا تكتفي بقطع خيوط الدسائس بل تفضح المرتزقة في كافة المجالات وبأقسى درجات التعرية.
فليس في هندسة هذا الوجود صدفة عمياء، بل للكون إلهٌ ذو الجلال والمقام يرقب في صمتٍ غطرسة المأجورين ويصغي لأنين دعوات المظلومين التي سُرقت فرحتهم في ثوانٍ معدودة.
إلهٌ يمهل الظالم حتى إذا استوى على عرش مؤامرته أسقطه بقوة اليقين أمام كاميرات العالم.. ليتحول ثمن الغدر إلى لعنة أبدية.. ويتحول انصياع أمريكا المذلول إلى شاهد إثبات على أن الذمم المبيعة لا تصنع المجد والشرف..
ومتى كانت الأقنعة صامدة أمام جلال العدالة الإلهية ومقامها الرفيع.

يوسف غريب كاتب صحفي

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/