الرأيالرياضة

الفيفا.. من حارسة لقيم النزاهة إلى تاجرة لقيم العملات

هاتفني صديق مباشرة بعد نهاية مقابلة خيخون في نسخته الثانية :( هل شاهدت الدقائق الأخيرة من المباراة..!)
قلت له: ( لم أشاهد مباراة بل شاهدت جنازة)
جنازة شُيّعت فيها روح كرة القدم ودُفنت فيها النزاهة الرياضية في مقبرة جماعية صممتها الفيفا بدم بارد..
خمس عشرة دقيقة وقف فيها لاعبو الجزائر والنمسا واجمين يتبادلون نظرات باهتة وتمريرات ميتة في هدنة صامتة واتفاق باطني غير مكتوب يضمن لكليهما تذكرة العبور إلى دور الاثنين وثلاثين.
بل شاهدت أيضاً ذلك المشهد العجيب للاعب جزائري – بن سبعيني على ما أعتقد – يقف واضعاً يديه فوق رأسه كمن يشهد زلزالاً يبتلع بيته أو كوارث الكون تهبط دفعة واحدة لتسحق رأسه. والعجيب بل المدهش الذي يثير السخرية المرة أن هذه الحركة لم تأتِ عقب هدف مزق شباكهم بل جاءت فوراً بعد أن هزّ النجم رياض محرز شباك النمسا بإصابة الفوز في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع..!
يا للمفارقة
هل باتت مصيبة المرء أن ينتصر فريقه؟ أم أن الخطيئة الكبرى التي ارتكبها محرز هي خروجه الصارخ عن نص الاتفاق السري..?!
عدت بذاكرتي فوراً إلى صيف عام اثنين وثمانين في مدينة خيخون الإسبانية يومها ذبحت المؤامرة الحلم الجزائري الناصع بـ”طبخة” ألمانية نمساوية. واليوم يتكرر المشهد لكن بعباءة عصرية ممسوخة تحول فيها ضحية الأمس إلى طرف في معادلة المصالح المشتركة اليوم.
لكن الغريب هذه المرة أن أحداً لم يغضب من اللاعبين ولم يوجه المحللون سهامهم نحو المدربين.. لقد اتجهت أصابع الاتهام جميعها إلى المتهم الحقيقي المختبئ خلف المكاتب الفاخرة:
النظام الجديد للبطولة! إن غياب تكافؤ الفرص في هذا النظام الموسع والمشوه وضع المستطيل الأخضر تحت رحمة لغة الأرقام الجافة وحسابات الدكاكين بل تحولت اللعبة من ساحة للشغف والجنون الماتع والعدالة الرياضية المطلقة،إلى رقعة شطرنج بليدة تُدار بعقلانية باردة وتتجنب المخاطرة خوفاً من إطاحة مفاجئة.
أين ذهب شرف المحاولة؟ أين طهارة التنافس؟ لقد انتحرت كلها على عتبات البرغماتية.
وهنا يكمن التشخيص الأدق لـ”سرطان” الكرة الحديثة فقد تحول الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من هيئة رياضية ترعى القيم النظيفة للعبة وتهدف إلى تقريب الشعوب وتعميق الروابط الإنسانية إلى ما يشبه شركة متعددة الجنسيات تدار بعقلية الاستثمار الأقصى والأرباح الفلكية.
أصبحت السيادة لمنطق التسويق وحقوق البث وعقود الرعاية حتى لو كان الثمن إرهاق الرأسمال البشري.
نعم إنهم يعاملون اللاعبين كأصول تجاريّة يُستنزفون حتى النخاع لتتراجع الجودة الفنية لصالح إدارة المجهود والخوف من الإصابة.
عندما تصبح اللعبة مجرد منتوج تجاوي والمشجع مجرد مستهلك يشتري التذكرة أو يشترك في التشفير.. تفقد كرة القدم روحها الحقيقية وعفويتها التي جعلتها يوماً ما لغة عالمية تجمع القلوب.
وتلك الهدنات المصلحية البائسة في أواخر المباريات ليست سوى مرآة مصقولة تعكس كيف تغلبت حسابات الشركات الكبرى على أصالة المتعة الكروية.
إن ما حدث في تلك الدقائق الأخيرة لم يكن مجرد تواطؤ مؤقت بين فريقين بل كان إعلاناً رسمياً عن انتصار( سلعنة الكرة) على حساب إرث الفقراء. لقد جردوها من ثوبها الطاهر وتركوا لنا مسرحية باهتة بلا روح ولا شرف.
وإذا كان الاتحاد الدولي يفنخر اليوم بأرقام أرباحه الفلكية فإن التاريخ سيدون في سطوره أن ‘الفيفا’ نجح في ملء خزائنها لكنها فشلت في الحفاظ على نبض اللعبة فمات الشغف وانتحرت العدالة الريّاضيّة وبقينا نحن المغفلين الحالمين نصفق لجريمة تُرتكب بدم بارد على شاشات التلفزيون.
ومع إسدال الستار على هذه المهزلة الكروية توحدت أصوات المحللين والجماهير في صرخة استهجان جماعية لخصت وجع الملايين بسؤال استنكاري لاذع وُجِّه مباشرة إلى قلب المنظومة:
(لماذا تتلاعبون مشاعرنا.. ؟!)
نعم يا ‘فيفا’..
لماذا العبث بقلوبِ بشرٍ يظنون أنهم يتابعون لعبةً نزيهة وعادلة تكرم الفائز بشرف.. ولا تهين المنهزم بغدر.. ؟!”

يوسف غريب كاتب صحفي

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/