المجتمع

من أطفال المفاتيح إلى جيل C90: مقاربة سوسيولوجية للتحولات الاجتماعية بأيت عميرة (أشتوكة أيت باها)

  • أكادير اليوم – د. خالد ألعيوض //

يثير عنوان «من أطفال المفاتيح إلى جيل C90» جملة من التساؤلات المفاهيمية بشأن دلالة هذين المصطلحين وطبيعة العلاقة التي تربط بينهما. ويجدر التأكيد، منذ البداية، على أن هذين المفهومين لا ينتميان إلى الأدبيات السوسيولوجية المتداولة، بل يمثلان مفهومين إجرائيين نقترحهما من أجل تفسير جانب من التحولات الاجتماعية التي شهدها مجال أيت عميرة خلال العقود الأخيرة.

يقصد بمفهوم «أطفال المفاتيح» الأطفال الذين نشؤوا داخل أسر تعيلها أمهات يشتغلن بالضيعات الفلاحية، وهو ما يفرض عليهن مغادرة المنزل في ساعات مبكرة من الصباح، قد تبدأ من الخامسة صباحًا. وبعد أن تتمكن الأم، رغم هشاشة وضعها الاجتماعي والاقتصادي، من تسجيل طفلها في المدرسة، يجد هذا الأخير نفسه مضطرًا إلى تدبير شؤونه اليومية بشكل مستقل؛ فيغادر المؤسسة التعليمية دون مرافقة، ويعود إلى المنزل وحيدًا، ويتولى إعداد غذائه البسيط وإغلاق البيت، حاملاً مفتاحه حول عنقه حتى لا يضيع. ومن هذه الممارسة اليومية استُلهم مصطلح «أطفال المفاتيح».

وتكشف هذه الظاهرة عن نمط من الاستقلالية القسرية التي فرضتها الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية، أكثر مما كانت خيارًا تربويًا واعيًا. وفي ظل محدودية المواكبة الأسرية وضعف الإمكانات المادية، يجد عدد من هؤلاء الأطفال أنفسهم أكثر عرضة للتعثر الدراسي والانقطاع المبكر عن التعليم، مع التأكيد على أن هذا المسار لا يشمل جميع الحالات، إذ تمكن بعضهم من تجاوز هذه الظروف وتحقيق مسارات تعليمية ومهنية ناجحة.

أما الذين غادروا المدرسة في سن مبكرة، فقد واجه جزء منهم واقعًا اجتماعيًا يتسم بالهشاشة، وارتفاع معدلات البطالة، وغياب فضاءات التنشئة والإدماج، وضعف التأطير الثقافي والرياضي. وفي هذا السياق، برز ما نقترح تسميته «جيل C90»، في إشارة إلى فئة من الشباب تشكل وعيها الاجتماعي داخل الأحياء الهامشية التي أفرزتها التحولات العمرانية والديموغرافية التي عرفتها أيت عميرة منذ تسعينيات القرن الماضي.

ولا يحيل هذا المفهوم إلى جيل بأكمله، وإنما إلى شريحة محددة من الشباب ارتبط حضورها باستعمال الدراجات النارية السريعة، التي أصبحت لدى بعضهم وسيلة للتنقل، بينما استُعملت لدى آخرين في ممارسات منحرفة، من قبيل السرقة والاعتداء وترويع المواطنين. ومن ثم، فإن مفهوم «جيل C90» لا يتضمن أي حكم قيمي أو تعميم اجتماعي، بل يشكل أداة تحليلية لفهم مسارات بعض الشباب الذين تشكلت تجاربهم داخل سياق يتسم بالتهميش وضعف الاندماج.

وقد برزت ملامح هذه الظاهرة بوضوح خلال موجات الاحتجاج التي عرفتها أيت عميرة، حيث شارك بعض الشباب في أعمال عنف استهدفت ممتلكات عمومية وخاصة، من بينها مرافق إدارية ومؤسسات مالية وسيارات تابعة للدرك الملكي. ولا ينبغي النظر إلى هذه الأحداث باعتبارها مجرد انحرافات فردية أو قضايا أمنية، بل بوصفها مؤشرات على اختلالات اجتماعية أعمق تستدعي التحليل والفهم.

وانطلاقًا من ذلك، فإن تفسير ظاهرة «جيل C90» يقتضي تجاوز المقاربة الأمنية نحو مقاربة سوسيولوجية شاملة، تربط بين التحولات الاقتصادية والمجالية، وتغير بنية الأسرة، والهدر المدرسي، والهجرة الداخلية، وضعف سياسات الإدماج الاجتماعي والثقافي، باعتبارها عوامل متداخلة أسهمت في تشكيل جزء من مسارات الشباب في أيت عميرة.

وبذلك، فإن الانتقال من «أطفال المفاتيح» إلى «جيل C90» لا يمثل انتقالًا بين فئتين منفصلتين، بقدر ما يعكس مسارًا اجتماعيًا متدرجًا بدأت ملامحه مع الطفولة في ظل الهشاشة، وتبلورت نتائجه في مرحلة الشباب في ظل محدودية فرص الاندماج والتنمية. ومن ثم، فإن فهم هذا المسار يشكل مدخلًا أساسيًا لصياغة سياسات عمومية أكثر عدالة وفعالية في مجالات التربية والإدماج الاجتماعي والتنمية الترابية.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/