السياسة

المعارضة المغربية بين النقد المشروع والشعبوية الانتخابية..

  • أكادير اليوم //

«يضمن الدستور للمعارضة البرلمانية مكانة تخولها حقوقا، من شأنها تمكينها من النهوض بمهامها، على الوجه الأكمل، في العمل البرلماني والحياة السياسية »، وفق المادة 10 من الدستور الذي يوضح أيضا في المادة نفسها أنه « يجب على فرق المعارضة المساهمة في العمل البرلماني بكيفية فعالة وبناءة».

نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، المقرر تنظيمها في شتنبر القادم، يبدو أن جزءاً من المعارضة المغربية قد دخل مبكراً في حملة انتخابية عنوانها الأبرز التصعيد الخطابي واستهداف الأشخاص أكثر من الانشغال بتقديم البدائل والبرامج.

فبدل أن ينصب النقاش السياسي على تقييم السياسات العمومية واقتراح حلول جديدة لمشكلات المواطنين، اختار بعض قادة المعارضة العودة إلى لغة الشعبوية والمزايدات التي لا تقدم للمغاربة سوى المزيد من الضجيج السياسي.

خلال الأيام الأخيرة، تابع الرأي العام خرجات سياسية مثيرة للجدل. فالأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران عاد ليؤكد أن “الملك وحده من يحكم”، في تصريح يثير أكثر من سؤال حول أهدافه السياسية وتوقيته الانتخابي. وفي السياق نفسه، صعّد رئيس الفريق النيابي للحزب من لهجته باتهامات غير مسبوقة لرئيس الحكومة.

أما الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله، فقد أصبح اسم عزيز أخنوش حاضراً في معظم تصريحاته ومداخلاته، حتى بدا وكأن اختزال السياسة المغربية في شخص رئيس الحكومة أصبح برنامجاً سياسياً قائماً بذاته. وعلى المنوال نفسه يسير قادة أحزاب أخرى في المعارضة، ممن جعلوا من مهاجمة الأشخاص مدخلاً رئيسياً للتموقع الانتخابي.

المفارقة أن أغلب هؤلاء السياسيين ليسوا غرباء عن دواليب الدولة ولا عن تدبير الشأن العام. فقد شاركوا في حكومات متعاقبة، وتولوا مسؤوليات وزارية وبرلمانية مهمة، وكانوا جزءاً من القرارات التي يتحدثون اليوم عن فشلها. ولذلك فإن من حق المغاربة أن يتساءلوا: أين هي البرامج البديلة؟ وأين هي التصورات الاقتصادية والاجتماعية التي تميز هذه الأحزاب عن الحكومة الحالية؟

المواطن لا ينتظر من المعارضة أن تكرر يومياً أسماء خصومها السياسيين، بل ينتظر منها أجوبة واضحة حول القضايا الكبرى التي تشغل البلاد.

هل تملك رؤية اقتصادية مختلفة؟ هل لديها تصور جديد لتدبير المالية العمومية؟

ماذا تقترح في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية؟

ما هو موقفها من الأوراش الاستراتيجية التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة؟

وكيف تنظر إلى قضايا الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي والتنمية الترابية والسياسة الخارجية للمملكة؟

هذه الأسئلة الجوهرية تكاد تغيب عن الخطاب المعارض الحالي، لتحل محلها لغة التبخيس والتشكيك واستهداف الأشخاص.

والأسوأ من ذلك أن بعض التصريحات تتجاوز حدود المنافسة السياسية الطبيعية لتلامس أحياناً مؤسسات الدولة وخياراتها الاستراتيجية التي شكلت ثمرة سنوات طويلة من التراكم والإصلاح والعمل الوطني المشترك.

ولا يعني هذا أن الحكومة الحالية فوق النقد أو أنها حققت كل الأهداف المنشودة. فالنقد حق مشروع وضروري في أي نظام ديمقراطي. لكن الفرق كبير بين معارضة مسؤولة تقدم البدائل وتراقب الأداء الحكومي وفق معايير موضوعية،وبين معارضة تجعل من الإثارة الإعلامية والشعارات الشعبوية وسيلتها الأساسية لاستقطاب الناخبين.

لقد أثبت المغاربة في أكثر من محطة انتخابية أنهم أكثر وعياً من أن تنطلي عليهم الخطابات الانفعالية أو الحملات المبنية على الشخصنة. فالناخب المغربي أصبح أكثر اهتماماً بالحصيلة والبرامج والقدرة على الإنجاز من اهتمامه بالشعارات الرنانة والاتهامات المتبادلة.

إن المرحلة المقبلة تفرض على جميع الفاعلين السياسيين، أغلبية ومعارضة، الارتقاء بمستوى النقاش العمومي. فالمغرب مقبل على استحقاقات كبرى وتحديات داخلية وخارجية مهمة، ولن يكون من المفيد اختزال التنافس الديمقراطي في معارك كلامية أو تصفية حسابات سياسية.

ما يحتاجه المواطن اليوم هو وضوح في الرؤية، وجرأة في تقديم البدائل، واحترام لذكاء الناخب المغربي الذي أصبح قادراً على التمييز بين السياسة الجادة والشعبوية الانتخابية.

وعندما يحين موعد الاقتراع، لن يكون السؤال من الأكثر صراخاً أو من الأكثر حضوراً في وسائل الإعلام، بل من يملك مشروعاً أكثر قدرة على إقناع المغاربة وصناعة المستقبل.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى