
مونديال 2026: مقعد فارغ يدين نظام الجزائر
لا شيء يقتل الأنظمة الديكتاتورية مثل (المجاز عبر الصورة)..
هذا ما فعلته “الفيفا” بالنظام العسكري الجزائري وهي تعلن بدم بارد أن المقعد المخصص للصحافي الفرنسي “كريستوف غليز” في مونديال 2026 سيبقى شاغراً طوال البطولة لتتحول هذه المنصة العالمية إلى محاكمة رمزية تعري جوهر النظام أمام مليارات البشر وتمنح صحافياً سجيناً حضوراً عالميّة يفوق أعتى مشاهير العالم
لقد اختار رئيس دولة كرة القدم العالمية الوقت والاسلوب في تحويل غياب الصحافي إلى محاكمة علنية لنظام يعيش في القرن الحالي بعقلية حظر التجوال.. ليصدم العالم بفضيحة دولة تُقدّم نفسها كقاطرة قارية بينما تستفرد بلقب مخزٍ تحت يافطة :
“السجّان الأوّل في العالم “.
وتتجلى سريالية الغباء الأمني في كون الجريمة الوحيدة للصحفي( لغليز) هي إعداد تقرير لمجلة فرنسية عن نادي “شبيبة القبائل” العريق.. وحيث أن السلطة العسكرية تعاني من “فوبيا” مزمنة تجاه كل ما يتحرك هناك فقد طُبخت له تهمة “تمجيد الإرهاب” ليُحكم بسبع سنوات سجناً نافذة.
لكن السحر ارتد على الساحر وتسببت هذه الخطوة في زلزال رقمي دفع أزيد من مليار ونصف مليار متابع إلى محركات البحث ليقف العالم بشكل صادم على قضية منطقة القبائل وما تتعرض له من اضطهاد سياسي وثقافي ممنهج وتحول الملف من مجرد اعتقال تعسفي إلى تسليط الضوء على شعب يطالب بحقوقه مستلهماً الرمزية التاريخية لفريق كرة قدم يذكر بفرق الشعوب غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
اليوم، يجد النظام الجزائري ورئيسه عبد المجيد تبون أنفسهم في أضيق زاوية :
إما تجرع سم الهزيمة الأخلاقية وتوقيع عفو رئاسي بضغط مهين من “الفيفا” أو مواصلة العناد ودفع كلفة التشويه اليومي.. ليبقى الكرسي الفارغ في كل مباراة يتحدث بصوت أعلى بكثير من هدير المدافع وزئير المدرجات.
لكن الأثر الأهم هو أن الستار سيسدل غدا.. وتنتهي حمى المونديال.. وينصرف الجمهور وتطفأ الأنوار..
لكن الكرسي الفارغ سيبقى ثابتاً في مكانه.. كشاهد أبدي على واحدة من أقسى “الضربات المعلمية” التي هزت أركان نظام عسكري فضحه مقعد شاغر في أكبر محفل عالمي
محفل البساط الأخضر التي تحاول الطغمة الحاكمة في المرادية تحويله إلى منصة لتبييض وجهها القمعي
فإذ بالفيفا تحوله إلى وصمة عار تاريخية تلاحقها على مرأى ومسمع من مليار ونصف المليار إنسان.
فعلاً
“ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله”..
هي الآية الحكيمة والميزان الإلهي الذي يختصر بدقة مآل هذا النظام العسكري. لقد ارتد مكرهم الأمني ضد كل صوت حر إلى نحورهم وهم يتابعون كيف تحول غباء استعراض القوة ضد صحافي عزل إلى فخ عالمي يطوقهم من كل جانب.
إنها العدالة التاريخية التي جعلت من البساط الأخضر الذي أرادوه ساحة لإنتاج “البروباغندا” وصناعة البطولات الوهمية مرآة عاكسة لعريهم السياسي والأخلاقي أمام مليارات البشر.
لقد انطبق عليهم الوصف القرآني تماماً؛ فكلما أمعنوا في التضييق وخنق الحريات ومحاصرة منطقة القبائل العريقة، كلما سخرت الأقدار وسيلة لم تكن في حسبان عقولهم المتكلسة – مجرّد كرسي بلاستيكي شاغر – لتجعل من قضيتهم الفضيحة الأولى في العالم وتثبت أن حبل المكر قصير وأن هزيمة دولة العسكر بالجزائر قد حُسمت حتى قبل أن تبدأ ركلة البداية.
ذاك ما يبقى حين ينسحب الحكواتيون وينتهي الحكي
يوسف غريب كاتب صحفي..
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



