الرأيالرياضة

 لماذا خرست جامعة السنيغال في نيويورك واستأسدت في الرباط؟

في زاوية من زوايا المشهد الرياضي الإفريقي تطل علينا مفارقة لا تملك أمامها إلا أن تبتسم بسخرية مرّة

هو “الوعي الإفريقي” عندما يُوضع في ميزان المقارنة بين الأخ الشقيق و”السيد الغربي”.

فنحن هنا لسنا أمام مجرد تباين في وجهات النظر بل أمام تشريح حي لعقدة نقص متجذرة تجعل البعض يستأسد ويتمرجل على العواصم الإفريقية بينما يمارس صمت القبور والانبطاح التام في مطارات الدول العظمى.

تأملوا معي المشهد الأول القادم من أمريكا وبعثة المنتخب السنغالي بنجومها العابرين للقارات وقيمتها التسويقية التي تدوّخ الرؤوس تصل للمشاركة في تظاهرة عالمية…سنلاحظ كيف عُملت السيادة الوطنية معاملة “الهجرة السرية” عبر إخضاع اللاعبين والأطقم لإجراءات تفتيش فظة مستفزة وليس في قاعات المطار المكيفة..

بل عند باب الطائرة مباشرة وأسفل المدرجات في الهواء الطلق.. هناك حيث خُلعت الأحذية والأحزمة تحت شمس أمريكا في مشهد مهين غاب عنه أيضا حتى الحد الأدنى من التأمين لرحلة الحافلة.

والسؤال هنا ليس عن الغطرسة الأمريكية المعهودة بل عن الموقف السنغالي:

أين ذهبت حمرة الخجل؟ وأين اختفت ترسانة البيانات؟
لقد جف حبر القلم السنغالي وأُصيب مسؤولو الجامعة بشلل في الحبال الصوتية ولم يصدر ولابيان واحد. ولا احد تجرّأ على العطس احتجاجاً على امتهان الكرامة أسفل مدرج الطائرة.

لكن، وبقليل من “فلاش باك” إلى كأس أمم إفريقيا في الرباط سينكشف لك حجم الانفصام… فقد قدّم المغرب في تلك التظاهرة تنظيماً احترافياً بمعايير دولية صارمة أبهرت الغرب والاتحادات القارية قبل أي أحد آخر وكان الهدف الأسمى من وراء هذا المجهود الخرافي هو تقديم إفريقيا في إطار “الندية الكاملة” مع الغرب والبرهنة على أن القارة السمراء قادرة على مضاهاة أرقى المعايير العالمية. غير أن العقلية الإفريقية للأسف لم تتحرر بعد من عقدة المستعمر لتقابل هذا التميز بسلوك غريب

فالمنتخب السنيغالي الذي مازال يتجرع إهانة مدرجات الطائرة هو وجامعته هو نفسه من أصدر في أقل من ساعة واحدة ثلاثة بيانات رسمية في عشية حفل اختتام بطولة كأس أفريقيا 25

وبلغة تفيض استعلاءً وعجرفة ضد مؤسسات بلدنا
بيانات تحتج على تفاصيل لوجستية عادية.. وتتباكى من تواضع فندق إقامة صُنف وفق أرقى المعايير وتتعالى على ملاعب تدريب مجهزة بالكامل.

في الرباط أُشهرت سيوف البيانات وفي أمريكا طُويت الصحف وجفت الأقلام.

المشهد الثاني لا يقل سريالية وبطله مدرب مصري حوّل ندواته الصحفية عقب كل مباراة في الرباط إلى “لجنة تفتيش ومحاكمة تنظيمية”.

هذا المدرب لم يترك تفصيلاً صغيراً إلا وجعل منه مشجبًا لتعليق إخفاقاته التقنية فاشتكى من عشب الملاعب الذي نال رضا الفيفا وهاجم الجماهير وبلغت الكوميديا ذروتها عندما خرج يصرخ ويعول من “ناموس” الرباط في فصل الخريف معتبراً أن بعوضنا يمارس مؤامرة كونية لتشتيت تركيز عباقرته..

لكن، سبحان مغير الأحوال ومبدل العقول عندما وُضع المدرب نفسه تحت لهيب الشمس الأمريكية الحارقة وفي ظروف لوجستية لم تكن مثالية بلع الرجل لسانه بالكامل.

غاب “المفتش الصارم” وتبخر الناموس واستُبدل الصراخ بابتسامة عريضة من الأذن إلى الأذن ليخرج ممتدحاً طقس أمريكا الناري باعتباره “طقساً صحياً ومفيداً للجسم”!
في مشهد يثبت كيف يبتلع البعض ألسنتهم ويفتحون ثغورهم بالثناء لمجرد أن الجلاد يرتدي بدلة غربية
وهل يملك الأصلع أن يفتح فاه في نيويورك؟

هذا التباين الصارخ يعطينا تشخيصاً دقيقاً لعقدة المستعمر: خنوع تام وانبطاح مستأنس أمام الغرب حيث تُبتلع الإهانات وتُبرر الصعوبات تحت بند احترام القوانين السيادية للدول العظمى.

مقابل استقواء مراهق وعجرفة فارغة على الشقيق الإفريقي حيث تتحول هفوة تنظيمية أو ظروف طبيعية بسيطة إلى جريمة لا تُغتفر.

الخلاصة أن الكرامة لا تُجزأ والاحترام لا يباع بالتقسيط من يملك الجرأة لتقمص دور المفتش الصارم ويوزع صكوك الاتهام في العواصم الإفريقية عليه أن يملك الشجاعة لفرض كرامته في نيويورك وباريس.

أما الاستئساد على الأخ وابتداع المعارك الوهمية معه مقابل الانبطاح التام أمام فظاظة الغرب فهو دليل قاطع على أن العقول ما زالت تعيش في غياهب التبعية النفسية وأن قطار التحرر الفكري لم يصل بعد إلى محطتهم بعد.

يوسف غريب كاتب صحفي

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى