
«كوندافا»… حين تتحول الأغنية الأمازيغية إلى ساحة صراع الهوية والتشدد الديني
فيلم “كوندافا” للمخرج المغربي علي بنجلون عرض يوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 بالدورة 49 للمهرجان الدولي للسينما الافريقية بخريبكة، وتمت مناقشته صبيحة الاربعاء 3 يونيو بنفس المناسبة بحضور مخرجه. وهذه مقالة تدور حول حضور الفيلم في المشهد السينمائي المغربي.
يشقّ الفيلم المغربي «كوندافا» طريقه بثبات داخل المشهد السينمائي الوطني، مقدّمًا عملًا بصريًا وفكريًا يزاوج بين الحس الجمالي والطرح الإشكالي لقضايا الهوية والثقافة. في أول تجربة روائية طويلة للمخرج علي بنجلون، لا يكتفي الفيلم بسرد حكاية محلية، بل ينفتح على أسئلة كبرى تهم المجتمع المغربي، خاصة في تقاطعاته بين التراث الأمازيغي والتحولات الاجتماعية والدينية.
تدور أحداث الفيلم في قرية هادئة بالأطلس الكبير، حيث تبدو الحياة منسجمة مع إيقاع الطبيعة، وتشكّل الأغنية الأمازيغية جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، خصوصًا لدى النساء اللواتي يحفظن الذاكرة الجماعية من خلال الغناء. غير أن هذا التوازن سرعان ما يهتزّ مع وصول إمام متشدد إلى القرية، ليبدأ صراع خفي ثم معلن بين رؤيتين: رؤية منفتحة متشبثة بالجذور الثقافية، وأخرى منغلقة تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق تصور أحادي.
يركز «كوندافا» على مسار ثلاثة شبان يحلمون بالنجاح من خلال الموسيقى، لكنهم يجدون أنفسهم في قلب هذا الصراع، حيث تتحول الأغنية من تعبير فني إلى موقف ثقافي وهوياتي. هنا، ينجح الفيلم في جعل الفن نفسه موضوعًا للصراع، وليس مجرد خلفية للأحداث.
على مستوى الأداء، تبرز كريمة غويت بحضور قوي يعكس عمق الشخصية النسائية الأمازيغية، فيما ينسجم باقي الطاقم مع الرؤية الإخراجية التي تميل إلى الواقعية، دون إغفال البعد الرمزي. ويحسب للفيلم اعتماده على فضاءات طبيعية خلابة، تعكس غنى المجال الأمازيغي، وتمنح العمل بعدًا بصريًا مؤثرًا.
لا يتورط الفيلم في خطاب مباشر أو وعظي، بل يترك الصورة والحدث يعبّران عن التوتر القائم داخل المجتمع، وهو ما يمنحه قوة تعبيرية هادئة ولكن عميقة. كما يطرح «كوندافا» سؤالًا مركزيًا: هل يمكن الحفاظ على الهوية الثقافية في ظل تصاعد خطابات التشدد؟ وهل الفن قادر على لعب دور مقاوم في هذا السياق؟
مشاركة الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ضمن قسم «آفاق السينما العربية» تعكس الاهتمام الذي يحظى به هذا العمل خارج الحدود الوطنية، وتؤكد راهنيته الفنية والفكرية.
في المحصلة، «كوندافا» ليس مجرد فيلم عن قرية أو مجموعة أشخاص، بل هو مرآة لتحولات عميقة يعيشها المجتمع المغربي، حيث تتقاطع أسئلة الهوية، الدين، والفن. عمل يراهن على الهدوء في الطرح، لكنه يترك أثرًا قويًا في ذهن المتلقي، ويفتح نقاشًا ضروريًا حول مستقبل الثقافة الأمازيغية في زمن التحولات.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News





