الثقافة

بوجلود: تعبير ثقافي حي، وذاكرة جماعية، لا يمكن اختزاله في أحكام سطحية..

  • فدوى رجواني //

ككل سنة وكلما حل موعد احتفالات بوجلود، يعود الجدل ذاته، وكأن البعض يختزل هذا الموروث الشعبي في أحكام سطحية تتجاهل ما يختزنه من ذاكرة جماعية، ومن جهد وإبداع وفرح اجتماعي متجذر في الثقافة المحلية..

بيلماون الذي يحاولون الترويج له كمشهد عابر وممارسة اعتباطية، هو في الواقع ثمرة عمل يمتد لأشهر طويلة، تبدأ بتنظيف الجلود ومعالجتها وإزالة روائحها، وتطوير أشكالها باستعمال وسائل وتقنيات متعددة، وصولا إلى تصميم الشخصيات والأزياء والإكسسوارات والاشتغال على تفاصيل دقيقة تتطلب وقتا وصبرا وابتكارا.. خلف كل شخصية تظهر في الشارع ساعات طويلة من العمل والسهر والشغف، يقف وراءها شباب اختاروا أن يحافظوا على هذا التراث بعيدا عن التكرار الجامد، وقريبا من الإبداع والتجديد..

ما يثير الإعجاب في بوجلود، حسب تقديري، ليس فقط جانبه الفرجوي، بل أيضا الروح الاجتماعية التي يخلقها داخل الأحياء والأسر.. ففي أكادير الكبير مثلا، يتحول هذا الموعد إلى مناسبة جماعية حقيقية، تتعاون خلالها المجموعات الشابة فيما بينها، وتفتح الأسر بيوتها لاستقبال المشاركين ومساعدتهم في إعداد الأزياء وتثبيتها، فيما ينجز المكياج والزينة في كثير من الأحيان تطوعا وبروح محبة لهذا الموروث الشعبي..

وقد يستغرق تجهيز شخصية واحدة نصف يوم أو أكثر قبل خروجها إلى الفضاء العام، في مشهد يعكس روح التضامن والعمل الجماعي أكثر مما يعكس مجرد استعداد لعرض احتفالي..

ومن الصعب الحديث عن بوجلود دون استحضار أثره الاجتماعي والوجداني داخل المدينة، حيث تمتلئ الأحياء بالأهازيج وإيقاعات الطبول والفرجة الشعبية، ويصبح الفضاء العمومي مساحة للقاء والبهجة والتواصل الإنساني.. كثيرون يجدون في هذه المناسبة فرصة للقاء أصدقاء أو معارف غابت عنهم لسنوات، وتستعيد الأحياء دفئا اجتماعيا افتقدته تحت ضغط الحياة اليومية وتسارعها..

ثم إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو لماذا يطلب من بوجلود وحده أن يبقى جامدا خارج الزمن؟

فالعالم بأسره يطور أنماطه الفنية والفرجوية مع الحفاظ على روح موروثه الثقافي.. الإنسان اليوم ليس هو إنسان الأمس، فقد تطورت الملابس، والموسيقى وآلاتها، وأنماط العيش والتعبير الفني، دون أن ينظر إلى ذلك باعتباره خيانة للتراث.. والحقيقة أن حماية الموروث لا تعني تجميده أو حبسه داخل صورة ثابتة، بل تعني صيانته وتجديده حتى يظل حيا وقادرا على مخاطبة الأجيال الجديدة..

قد نختلف بشأن بعض السلوكيات أو التجاوزات الفردية التي ينبغي تنظيمها وضبطها، لكن اختزال بوجلود في أوصاف جاهزة أو التعامل معه بمنطق الإدانة الشاملة هو تجاهل لقيمته الثقافية والاجتماعية والفرجوية، وللجهد الكبير الذي يبذله الشباب من أجل استمراره وتطويره..

بوجلود هو تعبير ثقافي حي، وذاكرة جماعية، ومجال للإبداع الشعبي والتعاون الاجتماعي والاحتفاء بالحياة.. والتراث الذي يتجدد ويبدع هو التراث القادر على الاستمرار، أما التراث الذي يمنع من التطور فمصيره أن يتحول إلى مجرد ذكرى معروضة خارج الزمن..

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى