المغرب اليوم

أما بعد؛ هل أكلتم بولفاف؟.. موعدنا السنة المقبلة، واليكم هذه الرسالة

يشكّل العالم القروي المغربي، كما تكشفه التحولات العميقة التي عرفها خلال العقود الأخيرة، فضاءً اجتماعياً وإنتاجياً مركباً لا يمكن اختزاله في صورة المجال الزراعي أو الرعوي البسيط، بل باعتباره نسقاً متكاملاً تتشابك داخله الأرض بالمجتمع، والإنتاج بالقيم، والعائلة بالاقتصاد المحلي.

فقد كانت الأسرة الممتدة، في صيغتها التقليدية، تمثل وحدة اجتماعية واقتصادية متماسكة؛ تؤطر العمل الفلاحي والرعوي، وتؤمن انتقال الخبرات والمعارف المحلية، وتحافظ على شبكات التضامن والتكافل، فيما كانت تمازيرت/ الارياف/ القرى، نفسها تنتج جزءاً مهماً من شروط استمرارها الذاتي، بما في ذلك تربية الأضاحي داخل المجال الأسري والقبلي.

غير أن هذا التوازن التاريخي بدأ يعرف تصدعات متسارعة بفعل توالي موجات الجفاف، وتقلص الموارد الطبيعية، وانحصار سلاسل الإنتاج القروي، بما أضعف الاقتصاد الرعوي التقليدي وقلّص قدرته على الاستمرار. ومع تراجع المراعي الطبيعية، وانهيار جزء من المنظومة الأسرية الممتدة، وتزايد الهجرة القروية، لم يفقد المغرب فقط بعض قدرته الإنتاجية، بل فقد تدريجياً جزءاً من “مجتمعه الرعوي” والترحالي نفسه، أي ذلك النسيج البشري الذي كان يؤمن الرعي والتنقل الموسمي والتكامل بين الإنسان والمجال. فالعالم القروي لم يكن مجرد فضاء اقتصادي، بل كان منظومة اجتماعية تنتج الغذاء والقيم والانتماء في آن واحد.

وفي موازاة ذلك، عرف المغرب انتقالاً ديموغرافياً عميقاً قلب معادلة العلاقة بين المدينة والبادية؛ إذ انتقل من مجتمع يربي جزءاً من أضحيته داخل المجال القروي إلى مجتمع حضري واسع يشتري أضحيته من السوق. وإذا كانت الأسر القروية في الماضي جزءاً من الإنتاج، فإن الأسر الحضرية أصبحت اليوم تمثل كتلة طلب ضخمة ومركزة زمنياً ومجالياً، تضغط على الأسواق في فترة قصيرة من السنة، داخل مدن تعرف أصلاً كثافة سكانية مرتفعة، وضغطاً مرورياً، وضعفاً في فضاءات التسويق والتنظيم المجالي.

ومن هنا تبدو أزمة عيد الأضحى لسنة 2026 لحظة كاشفة لتحول أعمق من مجرد اختلال ظرفي في الأسعار أو نقص مؤقت في العرض؛ إذ تكشف حدود التفسير الاقتصادي التقليدي القائم على ثنائية العرض والطلب. فرغم سنة مطيرة، ودعم موجه للكسابة، وأرقام رسمية مطمئنة حول القطيع، انتهى الموسم إلى غلاء، واختناق في الأسواق، وتوترات اجتماعية وتنظيمية، بما يوحي بأن أصل الأزمة لا يكمن في الاقتصاد وحده، بل في اختلال الجغرافيا الاجتماعية والرعوية للمغرب المعاصر.

لقد تغيرت طبيعة تربية الماشية نفسها؛ فبعد أن كانت الأمطار تنعكس مباشرة على وفرة الكلأ وانخفاض كلفة التربية داخل نظام رعوي مفتوح يعتمد على التنقل والأسرة والتضامن المحلي، أصبح جزء مهم من القطيع يعيش داخل منطق الإسطبلات والتسمين شبه الصناعي، المرتبط بالأعلاف المركبة والطاقة والنقل والماء والأسواق الوطنية والدولية. وبهذا المعنى، يعيش المغرب فصلاً تدريجياً بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا الإنتاجية؛ إذ لم تعد الأمطار وحدها كافية لإعادة التوازن إلى السوق، لأن القطيع لم يعد يُنتج بالكامل داخل المجال الطبيعي، بل داخل اقتصاد مقاولاتي متزايد الارتباط بمنطق السوق.

كما أن تفكك أنظمة العالم القروي، والتمدن السريع وغير المقنن، أفرزا نماذج اجتماعية هجينة تتأرجح بين القيم التقليدية ومنطق الاستهلاك الحضري، دون أن تنسجم بالكامل مع التربة السوسيولوجية المغربية. فالانتقال من المغرب الفلاحي-الرعوي إلى المغرب الحضري-الاستهلاكي تم بسرعة تفوق قدرة البنيات المجالية والتنظيمية على الاستيعاب؛ وهو ما جعل الأسواق المؤقتة خلال عيد الأضحى تتحول أحياناً إلى فضاءات ضغط واختناق وفوضى تفاوضية وتوتر اجتماعي، بدل أن تكون مجرد فضاءات تبادل اقتصادي.

بل إن بعض الإجراءات التنظيمية الرامية إلى محاربة المضاربة الصغيرة أظهرت بدورها حدود المقاربة التقنية الخالصة، إذ إن بعض الوسطاء التقليديين لم يكونوا مجرد “شناقة” بالمفهوم السلبي، بل شكلوا تاريخياً آلية مجالية لإعادة توزيع القطيع وربط الأسواق المحلية وضمان مرونة التدفق بين المناطق. ولذلك فإن اختلال السوق لا يعكس فقط أزمة أسعار، بل أزمة انتقال حضاري ومجالي غير مكتمل بين مجتمع منتج ومجتمع مستهلك، وبين بادية متراجعة ومدينة متوسعة لم تستكمل بعد شروط تنظيمها الاقتصادي والاجتماعي.

من هذا المنطلق، يصبح التفكير في مستقبل قطاع الماشية وتدبير مناسبة عيد الأضحى رهيناً بتبني رؤية جغرافية-اقتصادية واجتماعية جديدة، تتجاوز القراءة المحاسباتية الضيقة نحو فهم التحولات الديموغرافية والمجالية العميقة التي يعرفها المغرب، عبر تطوير آليات دقيقة لإحصاء القطيع وتتبع توزيعه المجالي، وتأهيل الأسواق والبنيات اللوجستيكية، وتقنين الفاعلين المهنيين، واستعمال أدوات رقمية ونظم معلومات جغرافية لفهم مناطق الضغط والاستهلاك ومسارات التنقل، حتى لا يتحول العيد مستقبلاً إلى مرآة متكررة لاختلال العلاقة بين المدينة والبادية داخل المغرب المعاصر.

الحسين بوالزيت صحافي
وباحث في التاريخ

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى