
لقد أفسدتم علينا فرحة العيد!
بهذه العبارة المشحونة بالمرارة والخذلان تجرّعنا اليوم كأساً دهاقاً من الغبن ونحن نرى شعيرة دينية مقدسة تتحول بفعل فاعل إلى سوق سوداء يسودها قانون الغاب.
لم يعد الأمر مجرد موجة غلاء عابرة يمكن تبريرها بالجفاف أو تضخم الأسعار العالمي.. بل نحن أمام “غول” حقيقي افترس جيوب البسطاء، بطلُه كائن هجين يسمى “الشناق” يتحرك بكافة الأقنعة والمستويات فلا فرق هنا بين سمسار يرتدي “جلابة” في الأسواق الأسبوعية وبين مضارب بـ “ربطة عنق” يدير خيوط الأزمة من خلف كواليس المكاتب المكيفة.
البشاعة واحدة،زوالجشع واحد، والضحية دائماً هو أغلبية المواطنين بسطاء هذا الوطن
الجديد والأخطر هذه السنة هو الانتقال من الجشع البدائي إلى الهندسة الخبيثة للأزمة.
لقد عشنا فصلاً بائساً من التلاعب السيكولوجي بالهياكل الاقتصادية حيث تم توظيف آلية “العرض والطلب” برعونة وبشاعة ممنهجة لتركيع المواطن بحيث تعمدت مافيات الأسواق إطلاق إشاعة مدروسة وخطيرة تدعي نفاد الأضاحي واقتراب خلو الأسواق منها وهي كذبة مفضوحة لم تكن وليدة الصدفة بل جرى طبخها بدقة متناهية لخلق حالة من الذعر الجماعي ودفع الأسر المذعورة للشراء بأي ثمن وقبل فوات الأوان.
والمفارقة الساخرة والمبكية في آن واحد أن الأرقام الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة كانت تصدح بعكس ذلك تماماً مؤكدة بالدليل القاطع وجود فائض مريح في العرض مقارنة بالطلب.
لكن في مغرب المفارقات يبدو أن سلطة “الشناق” كانت أقوى من بلاغات الحكومة حيث تم احتجاز القطعان في “المخازن السرية” وخنق الأسواق قصداً لصناعة ندرة وهمية حركت طاحونة الأسعار نحو مستويات جنونية وغير مسبوقة.
هذا التلاعب لم يدمّر القدرة الشرائية للمغاربة فحسب بل ضرب السلم الاجتماعي والأمن النفسي للمجتمع في مقتل.
لقد تحولت الرحابي والأسواق إلى ساحات حرب مفتوحة وانفجرت اضطرابات عارمة ومشاحنات حادة وتطور الأمر إلى عراك بالأيدي والضرب والجرح بين مواطنين يصارعون بدافع الخوف والواجب الدينيز وبين بائعي خرفان ومضاربين بلا ضمير استمرؤوا ابتزاز الناس في لحظة ضعفهم.
وهنا تكمن الجريمة الكبرى؛ فالعيد في جوهره ليس مجرد بقرة أو كبش يُباع ويُشترى بل هو منحة ربانية وهدية سماوية للأمة فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “تركت لكم عيدين” وفي رواية السيرة أنه صلى الله عليه وسلم أبدل أيام الجاهلية بيومين عظيمين هما الفطر والأضحى ليكونا مساحة للفرح،والبهجة والتكافل والسكينة الروحية.
لكن “الشناق” في بلدنا لم يسرق المال العام هذه المرة بل سرق “المنحة الربانية ” التي أوصى عليها سيد الخلق واغتصب الفرحة التي شرعها الله ورسوله لعباده المستضعفين محولاً يوم الجائزة والبهجة إلى يوم غمّ ونكد وعراك.
أمام هذا المشهد السريالي يحق لنا أن نتساءل وبأعلى صوت: هل في هذا الوطن حكومة؟ وأين هو وزير الفلاحة من هذا الانفلات الخطير؟
كيف يُترك المواطن وحيداً أعزل في مواجهة غول الغلاء والتضليل النفسي دون أدنى حماية تعيد للأسواق هيبتها وتوازنها؟
بل، دعونا نذهب أبعد من ذلك ونتساءل بأسف حارق عن هذا السكوت المطبق لفقهاء وعلماء بلدنا؟ أولئك الذين يملؤون الشاشات والمنابر صباح مساء، مستفيضين في شرح عذاب القبر وأهوال الآخرة لكنهم حين واجهوا أهوال الواقع ومأساة الرعية بلعوا ألسنتهم ولم يستطيعوا نبسة كلمة أو صرخة حق واحدة في وجه هذا الجشع السافر لتقول:
اللهم إن هذا منكر
وهل هناك منكر أكبر من أن نصل إلى مرحلة يهاجم فيها مواطنون يائسون شاحنة أغنام لأداء شعيرة دينية؟
وهل هناك منكر أعظم من التعسير على مسلم واستغلال حاجاته الروحية العميقة برفع سقف الشراء عبر التضليل والأكاذيب؟
إن منكر المناكير الذي يدمي القلب ويخدش الكبرياء الوطني، هو أن يقع كل هذا الافتراس في “مغرب الفلاحة والفلاحين”
البلد الذي يُفترض أنه يبسط يده بالخير ليؤمن قُوت أبنائه بكرامة ويسر.
ماذا ربحتم أيها الشناقون غير متاع الحياة الدنيا الذي سيفنى لا محالة؟
أي بركة تترجونها في أموال مغسولة بدموع الأمهات وحسرة الآباء؟
إن الدين يسر وشعيرة الأضحية شُرعت للتقرب إلى الله بقلوب خاشعة متضامنة لا لتكون سيفاً مسلطاً على رقاب العباد بفعل إشاعات السماسرة. اتقوا الله في هذا الوطن وفي هذا الشعب الذي صبر كثيراً ففرحة العيد التي تركها لنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كانت وستبقى حقاً مشروعاً للجميع وليست امتيازاً حكرياً للأثرياء والمضاربين.
- يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



