
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية… مشروع ملكي اجتماعي يستحق التثمين وربط المسؤولية بالمحاسبة
- بقلم : بوشعيب حمراوي //
تحل يوم الاثنين 18 ماي 2026 الذكرى الواحدة والعشرون لإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أعطى انطلاقتها الملك محمد السادس. هذا الورش الملكي الاجتماعي الكبير. الذي تخلده مختلف عمالات وأقاليم المملكة بتنظيم لقاءات وندوات ومعارض و تقديم حصيلة المشاريع والمنجزات المرتبطة بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
ليس مجرد برنامج اجتماعي عابر أطلقته الدولة المغربية لمعالجة بعض مظاهر الفقر والهشاشة، بل شكل منذ الإعلان عنه من طرف الملك محمد السادس تحولًا عميقًا في فلسفة تدبير التنمية بالمغرب، وانتقالًا من منطق الإعانات الظرفية إلى منطق التنمية البشرية المستدامة، القائمة على إشراك الإنسان في صناعة مستقبله وتحسين شروط عيشه وكرامته. بمعنى : عوض منح المواطن الكادح سمكة كل يوم. . يمكن دعمه ومواكبته حتى يتعلم صيد السمك ويحصل على التجهيزات اللازمة لذلك.
جاءت هذه المبادرة في سياق كان المغرب يعيش فيه اختلالات اجتماعية ومجالية كبيرة، أبرزها الفقر بالعالم القروي، والهشاشة بالأحياء الحضرية، وضعف البنيات الأساسية، وارتفاع معدلات الأمية والبطالة والإقصاء الاجتماعي.
المبادرة الوطنية… مشروع ملكي برؤية اجتماعية وإنسانية
منذ انطلاقها، ارتكزت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على فكرة مركزية مفادها أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالأرقام الاقتصادية، بل بمدى تحسين حياة المواطنين، خصوصًا الفئات الهشة والفقيرة. لذلك تم اعتماد مقاربة تشاركية تقوم على إشراك الساكنة المحلية والجمعيات والمنتخبين والسلطات العمومية في تحديد الحاجيات والأولويات، بدل فرض مشاريع جاهزة من المركز. وقد اعتُبرت هذه المقاربة آنذاك ثورة في تدبير الشأن الاجتماعي بالمغرب، لأنها نقلت التنمية من المكاتب المغلقة إلى الميدان.
مراحل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
المرحلة الأولى (2005 – 2010)… محاربة الفقر والإقصاء والهشاشة: .ركزت المرحلة الأولى على أربعة برامج رئيسية، وهي محاربة الفقر بالعالم القروي ، محاربة الإقصاء الاجتماعي بالوسط الحضري، محاربة الهشاشة، البرنامج الأفقي الموجه للجماعات غير المستهدفة مباشرة.
وكان الهدف الأساسي هو فك العزلة عن المناطق المهمشة، وتحسين الولوج إلى الماء والكهرباء والطرق، وبناء دور الطالب والطالبة، والمراكز الاجتماعية، والمستوصفات، ودعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي. وقد استهدفت هذه المرحلة مئات الجماعات القروية والأحياء الفقيرة التي كانت تعيش تهميشًا تاريخيًا.
المرحلة الثانية (2011 – 2018)… توسيع دائرة الاستفادة
تميزت هذه المرحلة برفع الغلاف المالي وتوسيع المجالات الترابية والفئات المستهدفة، حيث انتقلت المبادرة من مجرد محاربة الفقر إلى محاولة تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية بشكل أوسع. وتم خلالها، استهداف جماعات ودواوير إضافية ، تعزيز البنيات الاجتماعية، توسيع برامج التأهيل الترابي، دعم الأنشطة المدرة للدخل، تقوية برامج التكوين والإدماج الاقتصادي. كما شهدت هذه المرحلة بروز تعاون أكبر مع المجتمع المدني والجماعات الترابية، مع اعتماد آليات حكامة أكثر تنظيمًا.
المرحلة الثالثة (2019 – إلى اليوم)… الاستثمار في الرأسمال البشري.. شكلت المرحلة الثالثة تحولًا نوعيًا في فلسفة المبادرة، بعدما أصبح التركيز أكبر على الإنسان منذ الطفولة المبكرة، وعلى الإدماج الاقتصادي للشباب، وليس فقط على البنيات التحتية. وقد ارتكزت هذه المرحلة على أربعة برامج كبرى وهي : تدارك الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية بالمناطق الأقل تجهيزًا، مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة، تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، الدفع بالتنمية البشرية للأجيال الصاعدة.
وتم خلال هذه المرحلة التركيز على : صحة الأم والطفل، التغذية ومحربة سوء التغذية ، التعليم الأولي ، محاربة الهدر المدرسي ، دعم ريادة الأعمال لدى الشباب ، الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات الهشة.
استهدفت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية فئات واسعة من المجتمع المغربي، خصوصًا: الأسر الفقيرة بالعالم القروي، سكان الأحياء الهامشية، النساء في وضعية هشاشة، الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة، الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع، الشباب العاطل، السجناء السابقون، المسنون بدون موارد، المدمنون والمتشردون، التلاميذ المعرضون للهدر المدرسي، حاملو المشاريع الصغيرة والتعاونيات
ودعمت المبادرة آلاف المشاريع بمختلف مناطق المغرب، ومن أبرزها بناء الطرق والمسالك القروية،الربط بالماء والكهرباء،النقل المدرسي، دور الطالب والطالبة، مراكز تصفية الكلى، مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة، مراكز التكوين والتأهيل، التعاونيات النسائية، المشاريع الفلاحية الصغيرة، مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ، فضاءات الشباب والرياضة والثقافة، التعليم الأولي بالعالم القروي، مشاريع التشغيل الذاتي والمقاولات الصغرى.
أثر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.. لا يمكن إنكار أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ساهمت في تغيير وجه العديد من المناطق المغربية، خاصة القرى والمناطق الجبلية التي استفادت من الطرق والماء والكهرباء والنقل المدرسي. كما ساهمت في: تقليص نسبة العزلة القروية، تحسين التمدرس خاصة لدى الفتيات، تعزيز الخدمات الصحية الأساسية، خلق فرص شغل محلية، دعم الاقتصاد التضامني، تحسين مؤشرات التنمية البشرية بالمغرب.
وقد أشادت تقارير وطنية ودولية بتجربة المغرب في هذا المجال، واعتبر البنك الدولي المبادرة نموذجًا رائدًا في التنمية الاجتماعية بالمنطقة، خاصة في مجال الطفولة المبكرة والحكامة المحلية.
لكن… هل حققت المبادرة كل أهدافها؟ رغم النجاحات المسجلة، فإن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لم تسلم من الانتقادات، خصوصًا فيما يتعلق بـ: ضعف تتبع بعض المشاريع بعد إنجازها،غياب الاستدامة في عدد من المشاريع المدرة للدخل،استغلال بعض المشاريع لأغراض انتخابية أو سياسية، تفاوت جودة الإنجاز بين الأقاليم، ضعف التأطير والتكوين، تعثر بعض التعاونيات والمشاريع الشبابية، هيمنة منطق البناء والتجهيز أحيانًا على حساب التنمية البشرية الحقيقية.
كما سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عدة ملاحظات مرتبطة بالحكامة والتنسيق بين المتدخلين وضرورة ضمان استمرارية المشاريع وربط المبادرة بالسياسات العمومية الكبرى.
المبادرة الوطنية… من محاربة الفقر إلى صناعة الإنسان
بعد أكثر من عشرين سنة على إطلاقها، أصبحت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية واحدة من أكبر الأوراش الاجتماعية بالمغرب، ليس فقط بحجم الأموال والمشاريع، بل لأنها ساهمت في ترسيخ فكرة أن التنمية ليست مجرد بنايات وطرقات، بل استثمار في الإنسان المغربي، في صحته وتعليمه وكرامته وقدرته على الاندماج والإبداع والإنتاج.
ورغم الإكراهات والاختلالات التي تحتاج إلى معالجة وتقييم مستمر، فإن هذا الورش الملكي يظل تجربة مغربية خاصة، حاولت إعادة الاعتبار للمواطن البسيط، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وفتح باب الأمل أمام ملايين المغاربة الذين كانوا لعقود خارج دائرة التنمية الحقيقية.
لكنها تعيد التذكير دائما بأن عمليات التنزيل الحكومي تعاني من التدبير المعقلن والإدارة النزيهة عل المستوى المركزي والجهوي والإقليمي والمحلي. وأن أن المغرب لازال يسير بسرعتين. سرعة فائقة وجادة ملكية، وسرعة حكومية بطيئة تحد من تحقيق البرامج والمخططات والرؤى الملكية.
ضرورة فتح تقييم وطني شامل لمشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
وأمام ضخامة الاعتمادات المالية التي رُصدت للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ إطلاقها، وتعدد المتدخلين والشركاء والجمعيات والتعاونيات والهيئات المستفيدة، أصبح من الضروري اليوم فتح ورش وطني حقيقي لتقييم حصيلة هذا المشروع الملكي الاستراتيجي، ليس فقط من خلال الأرقام والتقارير الورقية، بل عبر النزول إلى أرض الواقع ومعاينة الأثر الحقيقي للمشاريع المنجزة على حياة المواطنين. فهناك مشاريع حققت نجاحات واضحة وغيرت فعلاً واقع مناطق بأكملها، لكن بالمقابل تظل هناك تساؤلات مشروعة حول مصير عدد من المشاريع التي صرفت عليها الملايير، قبل أن تتحول إلى بنايات مغلقة، أو تعاونيات متوقفة، أو تجهيزات مهملة، أو برامج اختفت مباشرة بعد التقاط صور التدشين وقص الأشرطة.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تكليف المفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية، وقضاة المجالس الجهوية للحسابات، والهيئات المختصة بالمراقبة والتدقيق، بمهام افتحاص مالي وإداري وميداني شاملة لكل ملفات مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمختلف جهات وأقاليم المملكة، مع التدقيق في طرق صرف الاعتمادات، وصفقات التجهيز والبناء، ومعايير اختيار الجمعيات والتعاونيات المستفيدة، ومدى احترام دفاتر التحملات، والأهم من ذلك: البحث عن الأثر الحقيقي لهذه المشاريع على المواطنين والفئات المستهدفة.
كما أصبح من الواجب ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم، وترتيب الجزاءات القانونية والإدارية في حق كل من ثبت تورطه في تبديد أو اختلاس أو استغلال أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أو تحويلها إلى أدوات للزبونية والريع والولاءات الانتخابية والسياسية. لأن أموال المبادرة ليست مجرد ميزانيات عمومية عادية، بل هي أموال مشروع ملكي اجتماعي وإنساني وُجد من أجل الفقراء والهشاشة والكرامة الإنسانية، وكل اعتداء عليها هو اعتداء مباشر على ثقة المواطنين وعلى فلسفة التضامن الاجتماعي التي أرادها الملك محمد السادس رافعة للتنمية والعدالة المجالية والاجتماعية بالمغرب.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



