الرأيالعالم اليوم

في اليوم العالمي للاتصالات: أي مستقبل رقمي للمغرب والعالم؟

  • بقلم سعيد الغماز //

في كل سنة، يحتفل المجتمع الدولي يوم 17 ماي، باليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات، وهي مناسبة لإبراز الدور الاستراتيجي لتكنولوجيا المعلومات والاتصال في تنمية المجتمعات الحديثة. ويتم تنظيم هذا اليوم تحت إشراف الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي يُعد من أقدم المؤسسات الدولية المتخصصة في مجال الاتصالات والرقمنة.

الأصل التاريخي لهذا اليوم: يرتبط تاريخ 17 ماي بحدث تاريخي بارز، يتمثل في توقيع أول اتفاقية دولية للتلغراف سنة 1865 بباريس (وهي الاتفاقية التي انضم إليها المغرب في 1912)، وإنشاء النواة الأولى للاتحاد الدولي للاتصالات. ففي تلك المرحلة، سعت الدول إلى توحيد أنظمة الاتصال التلغرافي لتسهيل التبادلات الدولية.

وقد أصبح الاتحاد الدولي للاتصالات مؤسسة متخصصة تابعة للأمم المتحدة سنة 1947، حيث يضطلع بدور محوري في التنظيم العالمي لقطاع الاتصالات، وتوزيع الترددات الراديوية، وتطوير الشبكات الرقمية، وتقليص الفجوة الرقمية بين الدول.

ويُحتفل باليوم العالمي للاتصالات في 17 ماي من كل سنة منذ عام 1969، تخليدا لذكرى تأسيس الاتحاد الدولي للاتصالات في ماي 1865. وفي سنة 1973، تم إقرار هذا الحدث رسمياً خلال مؤتمر المندوبين المفوضين للاتحاد المنعقد بمدينة مالقة بإسبانيا.

وفي سنة 2005، وبعد القمة العالمية لمجتمع المعلومات، تم توسيع هذه المناسبة لتصبح “اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات”، وذلك بهدف عكس الأهمية المتزايدة للإنترنت والتكنولوجيا الرقمية واقتصاد المعرفة.

وفي كل سنة، يتم اختيار موضوع يعكس القضايا الرقمية الراهنة، وتنظم حوله فعاليات ومبادرات عبر العالم. ويحمل موضوع هذه السنة شعار: “خطوط الحياة الرقمية – تعزيز الصمود في عالم متصل”، وهو موضوع يركز على تعزيز البنية التحتية الرقمية التي تُمكّن العالم من الاستمرار في العمل، ويؤكد أن وجود بنية رقمية موثوقة، أصبح ضروريا لاستقرار الأنظمة وتحقيق النمو للجميع. وقد شكل هذا الشعار محور كلمة السيدة “دورين بوغدان-مارتن” بمناسبة الاحتفال بهذه الدورة.

الدور الاستراتيجي للاتحاد الدولي للاتصالات في العالم الرقمي: يُعتبر الاتحاد الدولي للاتصالات اليوم فاعلا مركزيا في حكامة العالم الرقمي، وترتكز مهامه على عدة محاور أساسية:

تطوير البنيات التحتية الرقمية: يواكب الاتحاد الدول في نشر شبكات الاتصالات، وخاصة الألياف البصرية، وتقنيات الجيل الخامس، والأقمار الصناعية، والبنيات التحتية للإنترنت.

تقليص الفجوة الرقمية: يُعد ضمان الولوج العادل إلى التكنولوجيا الرقمية، خصوصاً في الدول النامية والمناطق القروية والهامشية، من أبرز أهداف الاتحاد.

التقييس والمعايير التقنية: يضع الاتحاد معايير دولية تضمن قابلية التشغيل البيني لأنظمة الاتصال على المستوى العالمي.

الأمن السيبراني والثقة الرقمية: في ظل تزايد الهجمات الإلكترونية، يعمل الاتحاد على تعزيز أمن الشبكات وتشجيع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيات الرقمية.

الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي: في السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الاتحاد بمجالات الذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، وإنترنت الأشياء، والقضايا الأخلاقية المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة.

موضوع سنوي يعكس تحديات العصر: تُنظم كل دورة من دورات 17 ماي حول موضوع خاص يسلط الضوء على الأولويات الرقمية العالمية. ومن بين المواضيع التي تمت معالجتها خلال السنوات الأخيرة : الإدماج الرقمي-المساواة بين الجنسين في المجال الرقمي-الابتكار التكنولوجي-التنمية المستدامة-الربط الشامل بالإنترنت-الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسانية.

وتُظهر هذه المواضيع أن الاتصالات لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

وفي السياق المعاصر، تؤدي الاتصالات دورا حاسما في: التعليم عن بعد-الطب عن بعد-التجارة الإلكترونية-الإدارة الرقمية-الخدمات البنكية عبر الهاتف المحمول-نشر المعرفة-المشاركة المواطنة.

وقد أظهرت جائحةCOVID-19  الأهمية الحيوية للبنيات الرقمية، حيث مكّنت شبكات الاتصال من ضمان استمرارية العمل والتعليم والخدمات العمومية في عدد كبير من الدول.

المغرب وتحديات التحول الرقمي: يمثل اليوم العالمي للاتصالات بالمغرب أيضاً مناسبة للتفكير في رهانات الانتقال الرقمي الوطني. فقد شهدت المملكة تطورا ملحوظا في مجال الاتصالات، منذ إدخال الهاتف العصري في بداية القرن العشرين، وصولا إلى تطوير الألياف البصرية والتكنولوجيات المحمولة المتقدمة، وخاصة الجيل الخامس.

وتساهم شركات مثل اتصالات المغرب وأورانج المغرب وإنوي، بشكل فعال في توسيع البنيات التحتية الرقمية وتعميم الولوج إلى الإنترنت.

غير أن عدداً من التحديات ما زال قائماً، من بينها:

•  الفوارق المجالية في الولوج الرقمي

•  التكوين في المهارات الرقمية

•  الأمن السيبراني

•  إدماج الذكاء الاصطناعي

•  السيادة الرقمية

•  إدماج الساكنة القروية

وفي سياق عالمي يتسم بثورة الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، يسعى المغرب بدوره إلى تعزيز استراتيجيته في مجال التحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم على الابتكار.

نحو مجتمع رقمي شامل: تُذكرنا مناسبة 17 ماي بأن مستقبل الأمم أصبح مرتبطا أكثر من أي وقت مضى بقدرتها على التحكم في تكنولوجيات الاتصال وضمان ولوج عادل إلى العالم الرقمي. فالاتصالات لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت بنية تحتية أساسية للتنمية البشرية، والتنافسية الاقتصادية، والسيادة الوطنية.

وفي هذا الإطار، يواصل الاتحاد الدولي للاتصالات تجسيد منصة عالمية للتعاون من أجل بناء مجتمع معلوماتي أكثر شمولا واستدامة وإنسانية.

في الختام: يمثل اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات، الموافق لـ17 ماي، أكثر من مجرد مناسبة مؤسساتية، فهو يرمز إلى التطور التاريخي لوسائل الاتصال وتأثيرها العميق على المجتمعات المعاصرة.

وفي وقت يدخل فيه العالم مرحلة جديدة تهيمن عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والشبكات الذكية، والتكنولوجيات الناشئة، تدعو هذه المناسبة الدول والمؤسسات والمواطنين إلى التفكير الجماعي في بناء مستقبل رقمي عادل وآمن ومتاح للجميع.

*سعيد الغماز: كاتب وباحث في المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى