
أضحية العيد.. شعيرة دينية أم صفقة موسمية!؟
يُشهد لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في بلدنا ومساندها العلمي المتمثل في المجلس العلمي الأعلى قدرتها الفائقة على هندسة الأمن الروحي للمغاربة بصرامة لا تترك مجالاً للمصادفة.. فمن تأطير أصغر مسجد في أقاصي جبال الأطلس إلى تدبير رحلات الحج المعقدة، وصولاً إلى ضبط عقارب الدروس الحسنية المنيفة يتحرك قطاع الاستاذ أحمد التوفيق بكفاءة الآلة وسلطة القانون.
غير أنني وكلما اقترب موسم عيد الأضحى أجد نفسي أمام مفارقة مغربية بامتياز تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة.. إذ كيف لمؤسسة دينية تبسط رقابتها على أدق تفاصيل الشأن الديني أن تسحب يدها بالكامل وتعلن “الغياب المطلق” عندما يتعلق الأمر عيد الأضحى كشعيرة هي الأكثر التصاقاً بوجدان وثقافةوتاريخ الأسر المغربية؟
كيف تُترك هذه القربة الروحية لتلتهمها ذئاب الأسواق وبورصات المضاربة الشرسة؟
إن أضحية العيد في نظري وفي عمق النص القرآني كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر).. ليست صفقة تجارية ولا هي مادة خاضعة لتقلبات “قانون العرض والطلب” أو “ليبرالية السوق” المتوحشة.
إنها عبادة ممتدة في التاريخ قوامها التراحم واليسر والسكينة الوجدانية.
لكن ما ألاحظه اليوم في أسواقنا يؤكد أننا أمام عملية “اختطاف” مكتملة الأركان لهذه الشعيرة.. حيث جرى إخراجها قسراً من دائرة التعبد إلى دائرة الجشع الفاحش ليصبح تمسك المغربي بهويته الروحية نقطة ضعف يستغلها “الشناقة” والمضاربون لإشعال جيوب الطبقات المسحوقة والمتوسطة في مشهد يتناقض جملة وتفصيلاً مع فلسفة العيد ومقاصده الشرعية التي جاءت لتُدخل الفرحة لا لتزرع القهر والكمد في البيوت.
أمام هذا الوضع المرير تعلو في كل سنة أصوات طيبة لكنها يائسة، تدعو إلى “مقاطعة العيد” ورغم أنني أتفهم تماماً الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية التي تحرك هؤلاء إلا أنني أجد نفسي غير قادر على مسايرة هذا الطرح فالإحباط لا يصنع سياسة والمقاطعة هنا ليست محلاً بل هي إعلان عجز جماعي واعتراف صريح بهزيمة قيم الدين والتضامن أمام منطق “السوق السوداء”.
إنني أرى في إلغاء الشعيرة من طرف المواطن حرماناً قسرياً لملايين الأسر من حظها في الفرح الروحي وتفكيكاً لآخر عروة اجتماعية تجمع العائلات المغربية.
فالحل الحقيقي ليس في الهروب من نحو الأضحية بل في انتزاعها من مخالب المضاربين وحمايتها بسلطة الدولة
من هنا فإنني لا أتوجه بالخطاب لوزارة الفلاحة التي تنظر إلى الأمر بلغة الأرقام والرؤوس والإنتاج بل أطالب بوضوح وزارة الأوقاف والمجلس العلمي الأعلى بتحمل مسؤولياتهم الدينية والأخلاقية والتاريخية.
فدور المؤسسة الدينية في بلادنا لا ينبغي أن يظل حبيس كراسي الوعظ والإرشاد وتحديد المواقيت وتواريخ الأهلّة بل يجب أن يمتد إلى ممارسة “سلطة دينية تنموية وتنظيمية” تحمي معيش الناس وقيمهم.
أدعوهم إلى تفعيل أدوات “السياسة الشرعية” والمبدأ الفقهي الراسخ “لا ضرر ولا ضرار” للتدخل العاجل وفرض “تسقيف لأسعار الأضاحي”.
فالشرع الذي شرع الأضحية أتاح لولي الأمر والمؤسسات التدخل لتسعير السلع إذا صار تركها للعبث إجحافاً بالعباد واستغلالاً لفقرهم.
لقد حان الوقت لتستعيد وزارة الأوقاف وصايتها التنظيمية على هذه الشعيرة وتنزع عنها الصفة التجارية المحضة التي شوهت جوهرها وتضع بذلك حداً لوسطاء لا يضيفون للمسار شيئاً سوى إنهاك المواطن.
إنني أومن بيقين أن تيسير حصول المغاربة على أضحيتهم بسعر عادل ومسقوف هو في قلب صيانة “الأمن الروحي” والمجتمعي وبأن حماية الدين تبدأ أولاً بحمايته من الاستغلال والتشويه.
إنّ لتحدي الأكبر اليوم هو حماية الطريق إلى اضحية العيد فالأمن الروحي الحقيقي لا يبدأ فقط من الخطب والدروس بل يبدأ حين يشعر المواطن أن شعائره الدينية ليست عبئًا اقتصاديًا يثقل كاهله بل مصدرًا للطمأنينة والكرامة والفرح الجماعي.
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



