
الرئيس تبّون بين الإنحناء بانقرة والإنبطاح بباريس
- يوسف غريب //
لم يكن مشهد “الإنكشارية” الذي استُقبل به عبد المجيد تبون في أنقرة مجرد خطأ بروتوكولي أو استعراض فلكلوري عابر بل اعتبرها اغلبيم المهتمّين بالشأن المغاربي “إهانة سيادية” بلبوس تاريخي ملتبس
ففي عرف الدول التي تحترم نفسها وسيادتها لا يُستقبل الرؤساء بملابس “الجلادين” القدامى لكن في “جزائر تبون” يبدو أن الحنين إلى زمن الخلافة العثمانية قد غلب طابع ثورة المليون شهيد لدرجة أن الرجل بدا منتشياً وهو يُعامل كـ “والي” يعود لتقديم فروض الطاعة على أعتاب الباب العالي
ولقد لخص رجب طيب أردوغان الحكاية خلال كلمة الإستقبال في جملة واحدة ( خمسة قرون من العلاقات)
هي ليست تحية بل هي “فاتورة استحقاق” يذكر بها السلطان التركي ضيفه بأن شرعية وجوده في قصر المرادية لا يستقيم إلا بالارتباط بالحبل السري أنقرة
فكان الردّ سريعا من تبون الذي أكد على الإرث الثقافي المشترك مع تركيا العثمانية.
المأساة ان تاريخ هذا البلد وبهذا النظام الذي صمّ آذاننا نصف قرن وأكثر بشعارات السيادة الثورية لم يصنع إلا عبر عملية بيع وشراء بين قوتين :
تركيا التي باعت الجزائر يوماً في سوق النخاسة الدولي وفرنسا التي استلمت البضاعة.
ونحن بهذا نكون أمام نظام “لقيط” سياسياً يبحث عن نسبه في عباءة العثمانيين تارة، وفي أروقة الإليزيه تارة أخرى…
هو التاريخ المستباح.. بين “التسليم” والاستلام “.
وفي مشهد يختزل هذه الثنائية بشكل واضح ومدروس في التوقيت والمضمون هي الهديّة التي استقبلت الرئيس تبون بمطار هواري بومدين تحمل ختم الإليزيه بعنوان عودة السفير الفرنسي بشروط باريس لا بشروط الجزائر
فلا اعتذار عن التاريخ ولا عودة للجماجم ولا تراجع عن مغربية الصحراء بل وبإدانة فرنسية صريحة لإرهاب مقذوفات السمارة التي أطلقتها ربيبة العسكر، البوليساريو.
هي جزائر تبّون اليوم بين الإنحناء في أنقرة والإنبطاح بباريس وبينهما أسطوانة النص المقدّس : ( تطابق وجهات النظر في الساحل والصحراء الغربية).
وهي عبارة تحولت مع عبد المجيد تبون من توصيف دبلوماسي عابر إلى عقيدة سياسية كاملة حتى خُيّل للمتابعين أن الرجل لايحمل في جيبه إلاّ آلة تسجيل قديمة لا تشتغل إلا على هذا الشريط الوحيد
إن ما جرى في أنقرة لم يكن رحلة دبلوماسية – وهي الثالثة خلال خمس سنوات – بل كان “جنازة” لما تبقى من هيبة الدولة الجزائرية. لقد أثبت تبون للعالم أن الجزائر اليوم تعيش خارج سياق الزمن العالمي
نظام يقتات على أوهام القوة ويسكن داخل “كاسيت” مشروخ يبيع “السيادة” للداخل في الخطابات ويشتري “التبعية” للخارج ببطاقات الولاء السيادي
لقد ذهب تبون باحثاً عن “خلافة” وهمية في أنقرة فاستيقظ على “وصاية” حقيقية في باريس..
وبين السجدة في محراب السلطان والانبطاح في ديوان الإليزيه ضاعت الجزائر وضاع معها “تطابق وجهات النظر” الذي لم يعد يطابق إلا هذا الفشل الكلوي لدبلوماسية هذا النيف الطويل
*يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



