
الحقيقة التي يحاولون تزييفها : المدرب محمد وهبي أحد ضحايا المسيرة السوداء الجزائرية
- بقلم : بوشعيب حمراوي //
عندما تتحول المعاناة إلى وقود للنجاح
في عالم كرة القدم، كثيراً ما تُروى قصص النجوم والمدربين من زاوية الألقاب والكؤوس والإنجازات، غير أن بعض المسارات تحمل في طياتها أبعاداً إنسانية وتاريخية تتجاوز المستطيل الأخضر لتلامس قضايا الهوية والانتماء والذاكرة الجماعية. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم محمد وهبي، الرجل الذي نجح في فرض اسمه بين أبرز الكفاءات التدريبية المغربية، بعدما تجاوزت أسرته معاناة التهجير الهمجي الجزائري للمغاربة سنة 1975. حيث شق طريقه من قلب الجالية المغربية في بلجييكا إلى أعلى هرم الكرة المغربية.
قصة محمد وهبي ليست مجرد حكاية مدرب نجح في عالم كرة القدم، بل هي أيضاً امتداد لمسار أسرة مغربية عاشت تجربة التهجير القسري، وحملت معها جراح الماضي وآمال المستقبل، قبل أن يكتب أحد أبنائها صفحة مشرقة في تاريخ الرياضة المغربية.
جذور ريفية مغربية ضاربة في عمق التاريخ
ينحدر محمد وهبي من أسرة مغربية أصيلة تعود جذورها إلى منطقة بني شيكر التابعة لإقليم الناظور، وهي منطقة معروفة بتاريخها الوطني وبتمسك أبنائها بهويتهم المغربية.
وخلال سبعينيات القرن الماضي كانت عائلته، شأنها شأن آلاف الأسر المغربية، تقيم بمدينة وهران ومناطق أخرى جزائرية، حيث استقر عدد كبير من المغاربة للعمل وبناء حياة جديدة مشتركة ومتماسكة على الأراضي الجزائرية بعد الاستقلال.
لكن سنة 1975 ستشكل منعطفاً مأساوياً في حياة عشرات الآلاف من الأسر المغربية، بعدما تعرضوا للطرد الجماعي من الجزائر في ظروف إنسانية صعبة، في عملية ارتبطت بالأحداث التي أعقبت المسيرة الخضراء، والتي يسميها عدد من الضحايا والفاعلين الحقوقيين بـ”المسيرة السوداء” أو المسيرة الكحلة.
مأساة التهجير القسري
في الثامن عشر من دجنبر سنة 1975، الذي صادف يوم عيد الأضحى، وجدت آلاف الأسر المغربية نفسها أمام قرار الطرد الجماعي من الجزائر.
وتشير العديد من الشهادات والوثائق إلى أن الأسر المطرودة فككت وشردت. فقدت ممتلكاتها ومصادر رزقها، واضطرت إلى مغادرة منازلها في ظروف صعبة، لتبدأ رحلة جديدة من المعاناة وإعادة البناء.
كانت أسرة محمد وهبي واحدة من تلك الأسر التي وجدت نفسها مجبرة على مغادرة وهران، قبل أن تتجه لاحقاً نحو أوروبا، حيث استقرت في بلجيكا كباقي أفراد الجالية المغربية الذين حملوا معهم ذكريات الوطن وآلام التهجير.
الميلاد في المهجر
بعد أشهر قليلة من تلك الأحداث، وُلد محمد وهبي يوم 7 شتنبر 1976 في بلجيكا.
نشأ الطفل المغربي داخل بيئة مهاجرة جمعت بين الحفاظ على الهوية المغربية والانفتاح على الثقافة الأوروبية، وهو ما سيساهم لاحقاً في تكوين شخصيته الفكرية والرياضية.
ورغم ولادته في بلجيكا، ظل ارتباطه بالمغرب حاضراً بقوة داخل الأسرة، سواء من خلال اللغة أو العادات أو الزيارات المتكررة إلى منطقة الناظور، حيث تعود الجذور العائلية.
من لاعب مغمور إلى “بروفيسور” التدريب
لم يعرف محمد وهبي مسيرة كروية احترافية لامعة كلاعب، لكنه أدرك مبكراً أن مستقبله الحقيقي يوجد في عالم التدريب والتكوين.
ولهذا اختار التسلح بالعلم والتكوين الأكاديمي، فحصل على أعلى الشهادات التدريبية المعترف بها من طرف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وفي مقدمتها شهادة “ويفا برو”، التي تعد أعلى درجة تدريبية في أوروبا.
هذا التكوين الأكاديمي الصارم منحه سمعة خاصة داخل الأوساط الكروية، حتى أصبح كثيرون يلقبونه بـ”البروفيسور”، نظراً لاعتماده على التحليل العلمي والتخطيط الدقيق وتطوير اللاعبين الشباب.
المدرسة البلجيكية وصناعة المواهب
اشتغل وهبي داخل عدد من المؤسسات الكروية البلجيكية المعروفة باهتمامها الكبير بالتكوين، واكتسب خبرة واسعة في اكتشاف المواهب وصقلها.
وقد ساهمت هذه التجربة في تكوين رؤية حديثة لكرة القدم تعتمد على بناء اللاعب قبل بناء الفريق ، التكوين طويل المدى، تطوير الذكاء التكتيكي، الاستثمار في الفئات السنية، منح الثقة للمواهب الشابة. وهي فلسفة ستصبح لاحقاً من أبرز أسرار نجاحه داخل المنتخبات المغربية.
العودة إلى خدمة الوطن
شكل التحاق محمد وهبي بالإدارة التقنية المغربية محطة مهمة في مسيرته.
فقد اختار أن يضع خبرته الأوروبية رهن إشارة كرة القدم المغربية، مؤمناً بأن المغرب يمتلك طاقات بشرية هائلة تحتاج فقط إلى التأطير والتوجيه الصحيح.
ومنذ وصوله إلى المنتخبات الوطنية للفئات السنية، بدأ مشروعاً طموحاً يقوم على استقطاب المواهب المغربية المنتشرة داخل أكبر الأندية الأوروبية، وإقناعها بحمل القميص الوطني.
صانع جيل ذهبي جديد
برز اسم محمد وهبي بقوة مع منتخب الشباب المغربي، حيث نجح في بناء مجموعة متجانسة تجمع بين المهارة والانضباط والروح القتالية
واعتمد في عمله على فلسفة تقوم على الانضباط التكتيكي
الضغط العالي، اللعب الجماعي،الثقة في المواهب الشابة، الحفاظ على الهوية المغربية داخل المجموعة. وبفضل هذا العمل المتواصل، تحول منتخب الشباب إلى مدرسة حقيقية لصناعة نجوم المستقبل.
من منتخبات الشباب إلى المنتخب الأول
النتائج الإيجابية التي حققها وهبي مع الفئات السنية جعلته محط اهتمام واسع داخل الأوساط الرياضية المغربية. صناعة التاريخ الكروي بعد قيادته منتخب المغرب للشباب (تحت 20 سنة) للتتويج بلقب كأس العالم للشباب عام .2025. أصبح ينظر إليه كأحد أبرز الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة مشروع كروي طويل المدى، خصوصاً مع ما أظهره من قدرة على الجمع بين الصرامة الأوروبية والروح المغربية.
وتعزز حضوره داخل المشهد الكروي الوطني ليصبح اسمه مرتبطاً بمستقبل الكرة المغربية وبالجيل الجديد من المدربين المغاربة الذين راهنوا على العلم والتكوين بدل الحلول السريعة.
نموذج للنجاح المغربي في المهجر
تتجاوز قصة محمد وهبي حدود كرة القدم، لأنها تعكس قصة آلاف الأسر المغربية التي غادرت الوطن من أجل البحث عن بديل للعمل والعيش، لكنها حافظت على ارتباطها العميق بالمغرب.
فالرجل الذي وُلد في المهجر، وحمل معه ذاكرة عائلية مؤلمة مرتبطة بالتهجير، عاد ليصبح أحد الوجوه البارزة في خدمة الرياضة المغربية، مؤكداً أن الانتماء الحقيقي لا يقاس بمكان الولادة، بل بحجم العطاء للوطن.
انتصار الإرادة على الجغرافيا
إن سيرة محمد وهبي تختصر رحلة طويلة من الألم والأمل، بدأت من معاناة أسرة مغربية اقتُلعت من مكان إقامتها سنة 1975، ومرت عبر سنوات التكوين والاجتهاد في بلجيكا، لتصل إلى قيادة أحد أهم المشاريع الكروية المغربية.
وإذا كانت ذاكرة التهجير قد تركت آثارها في وجدان آلاف الأسر المغربية، فإن نجاح محمد وهبي يقدم نموذجاً مختلفاً للانتصار على المحن، ويؤكد أن الإنسان قادر على تحويل الجراح إلى قوة، والمعاناة إلى إنجاز، والغربة إلى جسر للعودة وخدمة الوطن.
إنها قصة مدرب لم يرث المجد، بل صنعه بالعلم والعمل والإصرار، فاستحق أن يصبح واحداً من أبرز الوجوه المغربية التي رفعت اسم المغرب عالياً داخل الملاعب وخارجها.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



