
الوطن ليس أرقاماً فقط..!
في الوقت الذي تتسابق فيه الحكومات إلى الإعلان عن مؤشرات النمو وحجم الاستثمارات والمشاريع الكبرى، يزداد شعور المواطن بأن واقعه اليومي يسير في اتجاه مختلف تماماً. فبين لغة الأرقام الرسمية ولغة الشارع تتسع الهوة ,وتكبر الأسئلة التي تنتظر أجوبة صريحة وشجاعة.
لقد أصبح الغلاء جزءاً من الحياة اليومية للمواطن. أسعار المواد الغذائية الأساسية تواصل ارتفاعها، وأسعار العقار والإيجار بلغت مستويات تجعل امتلاك سكن أو حتى استئجاره أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لآلاف الأسر،أما الخدمات الأساسية ومتطلبات العيش الكريم، فقد تحولت إلى تحديات مستمرة تستنزف القدرة الشرائية للمواطنين وتضعهم أمام ضغوط اقتصادية ونفسية متزايدة.
لكن الأخطر من الغلاء هو الإحساس المتنامي بالعجز وفقدان الثقة.فالمواطن الذي يتوجه إلى صناديق الاقتراع ومنح صوته لمرشح أو حزب سياسي كان ينتظر أن يجد من يدافع عن قضاياه وينقل صوته تحت قبة البرلمان وفي مختلف المؤسسات المنتخبة. غير أن الكثيرين يتساءلون اليوم أين هي الأحزاب السياسية من نبض الشارع؟ وأين هم المنتخبون من معاناة المواطنين اليومية؟ وهل ما زالت السياسة تؤدي وظيفتها الأساسية المتمثلة في خدمة الصالح العام والترافع عن انتظارات المجتمع؟
وفي قلب هذه المعادلة يقف الشباب باعتباره الفئة الأكثر تضرراً والأكثر تهميشاً في الوقت نفسه. فحاملو الشهادات في تزايد مستمر ينتظرون فرص عمل تليق بمؤهلاتهم، وغير الحاصلين على شهادات يواجهون بدورهم أبواباً موصدة وفرصاً محدودة. سواء من حيث الوظيفة او فرصة مشاريع مصغرة.البطالة لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبحت أزمة اجتماعية ونفسية تؤثر على الاستقرار الأسري وعلى ثقة الشباب في المستقبل.
ولعل من أخطر نتائج هذا الوضع تزايد عزوف الشباب عن المشاركة السياسية وعن الانتخابات بشكل خاص. فالكثير منهم لم يعد يرى في العملية الانتخابية وسيلة حقيقية للتغيير، بعدما تكررت الوعود وتراجع حضور النتائج الملموسة. وعندما يفقد الشباب الثقة في السياسة، فإن المجتمع بأسره يصبح أمام تحدٍّ حقيقي يمس حاضر الوطن ومستقبله.
وفي المقابل، يجد جزء مهم من المجتمع المدني نفسه محاصراً بمنطق الاصطفافات والانتماءات السياسية الضيقة. فالجمعيات الجادة والمستقلة التي اختارت العمل من أجل التنمية وخدمة المواطنين بعيداً عن الحسابات الحزبية، كثيراً ما تواجه صعوبات في الوصول إلى الدعم أو الشراكات أو الاعتراف بأدوارها، لأن منطق الولاءات أصبح في بعض الأحيان أقوى من منطق الكفاءة والمصلحة العامة.
إن التنمية الحقيقية لا تبدأ بالإسمنت ولا بالواجهات العمرانية ولا بالمشاريع الضخمة وحدها. التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان. فالاستثمار الأول والأهم لأي وطن هو الاستثمار في العنصر البشري، في التعليم الجيد، وفي الصحة، وفي التشغيل، وفي الثقافة، وفي تمكين الشباب والنساء،وفي خلق بيئة تسمح للمواطن بأن يشعر بالكرامة والأمل والانتماء.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من طرق ومبان ومنشآت،بل بما تملكه من مواطنين قادرين على الإبداع والإنتاج والمشاركة في صناعة المستقبل. وعندما يصبح الإنسان أولوية حقيقية في السياسات العمومية، تتحول التنمية من شعارات إلى واقع ملموس.
إن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع، أحزاباً ومؤسسات ومنتخبين ومجتمعاً مدنياً، إعادة طرح السؤال الجوهري أي وطن نريد؟ وطن تُدار فيه الملفات بمنطق الأرقام وحدها, أم وطن يكون فيه الإنسان محور السياسات وغايتها؟
لأن الأوطان التي تستثمر في الإنسان تصنع المستقبل، أما الأوطان التي تهمل أبناءها فتظل تدفع ثمن ذلك جيلا بعد جيل.
حبيبة اكوجديم
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



