
يا صديقي الجزائري الغاضب.. أنتم من صنعتم تنمّرنا
جاءتني رسالته العاتبة معبأة بمرارة حقيقية رحمل توقيع أحد الإخوة الجزائريين من أولئك الذين يجدون في كتاباتي نقداً موضوعياً لعقيدة العسكر هناك دون سبّ أو تجريح وكنت أجد فيه وعياً يتجاوز الألغام السياسية.
لكنه اليوم غاضب يحتج بعنف على “حجم التنمر المغربي” عقب هزيمة منتخبهم الأخيرة مستدلاّ بمقالي الأخير وكتب مستغرباً بنبرة منكسرة:
“حتى أنتم أيها المثقفون؟
يامن يناصرون المشروع المغاربي؟!
إنكم تخلطون الأوراق.. فالمنتخب الجزائري هو منتخب الشعب.. لا منتخب النظام
اسمعني جيداً يا صديقي.. وبعيداً عن صخب الملاعب وهتافات المدرجات المتشنجة.
عليك أن تدرك فارقاً جوهرياً في الفلسفة والانتماء فنحن حين نشجع منتخبنا الوطني لا نفصل بين ألوان القميص وألوان الخريطة فمنتخبنا هو منتخب الوطن وشعباً وحكومة وقيادة في سبيكة واحدة لا تقبل التجزئة أو الفصام.
وثانياً لكي أقرّب عقلَك وقلبَك من دوافع هذا “التنمر” وتفهم مبررات.. دعنا نضع مرآة الحقيقة أمام وجهين لعملة واحدة
فالتنمّر المغربي لم يكن يوماً حقداً أسود.. بل هو رد فعل عاطفي يقع في حدود ما تسمح به أخلاقنا تربيتنا تنمّر ساخر.. مبدع وضاحك لا يجرح اللحم ولا يكسر العظم
بل تأمّل معي وبإنصاف:
لم نخرج إلى الشوارع والميادين لنقيم مآدب الفرح والبهجة في اللحظة التي هُزمتم فيها كما فعلتم تماماً ليلة هزيمتنا في نهائي كأس الأمم الأفريقية (الكان).. ولم نحرق علماً جزائرياً ولم نتخذ من قميصكم الوطني بساطاً نرقص عليه في الساحات ولم نمزق أوراقكم النقدية أمام الكاميرات وداخل بيتنا
نحن نمارس السخرية كفَنّ ثم إننا لسنا وحدنا في جغرافية هذا العالم العربي الشاسع لكي تُختزل الدنيا كلها في “عقدة المغربي”.
إن السبب الحقيقي وراء هذا الاحتقان لا ينبع من أقدام اللاعبين في المستطيل الأخضر بل من أفواه الإعلام عندكم ذلك الإعلام الموجه الذي شحن النفوس لسنوات وحوّل مباريات الكرة من منافسة شريفة إلى “معارك وجودية” و”جبهات قتال” ضد الجار الغربي.
وكيف تريد للعالم ألا يضحك من هذه الكوميديا السريالية في بلاتوهاتكم؟
فالمنصات هناك تحولت من منابر لتحليل الواقع إلى غرف لصناعة الأوهام وتخدير العقول حتى أصبحت تصريحات إعلامكم “تريندات” عالمية ومادة دسمة للتندر في مشارق الأرض ومغاربها.
تخيل أن “ليونيل ميسي” يبيت ليله أرقاً بسبب كابوس اسمه “الحاج موسى”! وأن منتخب الأرجنتين بكبريائه يصبح في عرف إعلامكم “خائف ” من مواجهة الجزائر! أما أولئك الذين لبسوا ثوب العرّافين فقد تنبؤوا بثقة عمياء بأن المغرب سيهزم أمام البرازيل بخماسية نظيفة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أطل الإعلامي حفيظ الدراجي مستعيناً بحالة الطقس ليقنع جماهيره بأن السماء ستمطر وأن الجزائر ستنتصر (2-1)، مضيفاً بنبرة من يدعي التواضع:
“لو قلت ثلاثة لصفر فالجزائريون لن يصدقوني”. ومن مفارقات السخرية أن الدراجي نفسه كان هو المعلق على المقابلة ليكون بصوته هو من يزف للجزائريين خبر الهزيمة التي تمنّى صياغتها في خياله!
هل نحن أمام تحليل رياضي أم أمام طقوس واستعراضات للميتافيزيقيا الوهمية؟
لكن الذروة التي بلغت حد السخافة النادرة هي ما أقدمت عليه قناتكم الرسمية قناة تمثل دولة ومؤسسات، تستعين بـ “فلكي” لكي يقنع شعباً بأكمله بأن “حركة النجوم” وبأن “بركة السنة الهجرية” عوامل روحانية ستحسم المباراة
هنا حين يعجز العقل عن تقديم حجة في الملعب يهرب الإعلام إلى السماء ليفتش عن نصر في حركة الكواكب.
يا صديقي الجزائري هذا ليس إعلاماً وطنياً يدافع عن راية بلاده هذا “سيرك” حقيقي يبيع الوهم وحين يتطوع الإعلام بتقديم هذه “الإبداعات” على طبق من ذهب للعالم فإنه يشرّع الأبواب أمام السخرية.
نحن لم نخترع هذه المادة الساخرة فإعلامكم هو من طبخها وقدمها برعونة يحسد عليها ونحن كأقرب الجيران إليكم لم نملك أمام هذه المشاهد إلا أن نضحك والضحك- كما تعلم في فلسفة الحياة- هو أرقى أشكال المقاومة ضد الجهل والتجهيل.
يا صديقي، إن بناء فضائنا المغاربي بأركانه الخمسة كبيتنا الإسلامي الحنيف لن يتحقق فوق العشب الأخضر بل عبر تحرير الوعي داخل الجزائر من هيمنة “الخوذة العسكرية”
هذه العقيدة الثكناتية هي العائق الأكبر الذي يقتات على صناعة الأعداء ويعطل حلم الشعوب في الوحدة والتنمية.
والمسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتقكم أنتم النخب والأصوات الحرة لتوجيه بوصلة العمل نحو الخلاص من هذا الوهم الممنهج لنعيد معاً بناء مغرب كبير تسوده المحبة والمصير المشترك بعيداً عن وصاية العسكر.
ذاك افقنا الإنساني المشترك.. كما علّمنا التاريخ وصمود الجغرافيا
مع تحياتي الخاصة.
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



