
فاضمة تابرشانت
- الطيب أمكرود //
موحى، أستاذ للتعليم الابتدائي ينحدر من هامش الهامش بأحد أقاليم الجنوب الشرقي، ساقته ظروف العمل نحو أحد أقاليم الجنوب الساحلية، فكان مثالا للأستاذ المجد الوفي المتقن للعمل، ونبراسه تنشئته وقيمه ومبادئه.
حين كان موحى تلميذا، تتلمذ على يد معلمين يرون أنفسهم عربا أقحاحا، عينوا في مناطق لا تتحدث إلا الأمازيغية، فوجدوا أنفسهم، وهم المتشبعون بالفكر القومي العربي لستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أمام واقع لا وجود فيه للعرب ولا للعربية، وفي وسط لا صلة له بالعرب ولا بالعربية، وأمام تلاميذ ولدوا وفي أفواههم ملاعق الأمازيغية النقية.
كان موحى ومن مع موحى من تلاميذ القسم، يعانون الويلات كل يوم بسبب انتمائهم وسحناتهم ولسانهم، بل تنمر معلموهم القادمون من مناطق تتحدث الدارجة من طريقة كلامهم، من لباسهم، من الخبز الأسود الذي يحضرونه لهم مكرمة منهم وعونا، بل من آبائهم وهم يمرون من أمام حجرة الدرس من النوع المفكك وهم يسوقون قطعانهم، أو على دوابهم منصرفين إلى حقولهم أو إلى السوق، بل كان أحدهم وأكثرهم وقاحة يردد بيتا لا زال يرن في أذني موحى، كلما مرت ابنة من بنات الدوار من جوار حجرة الدرس، ولمحها المعلم المنفوش ريشه، فيقول:
شوفْ تيميمّيتْ ءيحنَّانْ، ءيگانْ ءي البوسانْ
والتي حفظها المعلم العربي الحامل لفكر القوميين العرب الازدرائي تجاه كل ما هو أمازيغي من نديم من ندمائه، والبيت تحوير لبيت من نص أغنية إزنزارن ن الشامخ “عاود ءاس ءا تاسا نو”
كان المعلم العنصري، وهو يضبط الغياب يتوقف عند أسماء تلاميذه المغلوبين على أمرهم، فيخص كل واحد منهم بوابل من عبارات التمييز والعنصرية: موحى، ءيدر، حمو، حدو، عقا…نماذج من أسماء تثير الغضب لدى المعلم كلما وقف عندها، فكان يزمجر ويقول:
– منين جبتو هاد السميات أولاد الحرام، من عند اليهود؟؟؟
كان نصيب موحى من التنمر والتضييق كبيرا جدا، إلا أنه، وبإلحاح وعزيمة وإصرار والده قاوم، بينما غادر اثنان وأربعون ممن شاركوه مقاعد الدراسة بغير رجعة، ولم يتبق إلا هو وزميل له يزاول نفس مهنته اليوم.
تخطى موحى عتبة الشهادة الابتدائية، ثم الرابعة ثانوي، ثم السابعة ثانوي، ثم حصل على شهادة الباكالوريا التي أهلته لولوج مركز تكوين المعلمين، تخرج منه بنجاح، فزاول أنبل المهن، مهنة التعليم.
ذات صباح، سمع موحى دقات على باب حجرة الدرس، فتح، فوجد أمامه طفلة في مقتبل العمر تحمل ورقة من الإدارة، استلم الورقة وقرأ عليها:
– فاضمة أيت أودرار
رحب بها، وأرشدها إلى مكان فارغ بجوار تلميذة تعمد أن يجلس فاضمة بجانبها، لئلا تحس بما أحس به وهو تلميذ، وتعيش عين مأساته خلال بداية ثمانينيات القرن الماضي، لاسيما والقسم المسند إليه يضم تلاميذ من كل مناطق المغرب يتحدثون لغات المغاربة الأم: الأمازيغية بتنويعانتها المختلفة، والدارجة والحسانية، فتعمد إجلاسها بجانب تلميذة تتقن لسانها حتى تنسجم في مجموعة القسم بسرعة ولا تحس بالغربة.
ولأن موحى يتقن الأمازيغية، والدارجة، والحسانية، كان يتخذ من اللغات الأم للتلاميذ المدخل لقلوبهم، والوسيلة لتدبير التفاعلات والتعلمات لمساعدتهم بناء واكتساب المعارف وتجويدها، فوظف نفس الاستراتيجية مع الوافدة الجديدة من إيحاحان بإقليم الصويرة فاضمة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الأمازيغية، فاندمجت التلميذة المجتهدة فاضمة بسرعة قياسية، واحتلت بسرعة أولى المراتب وهي في حضرة موحى، الذي آمن بها وبكل تلاميذه، واحتضنهم، وقبلهم كما هم.
كان وضع فاضمة وهي تلج قسم أستاذ اللغة الفرنسية مختلفا كلية، أجلسها في أقصى مكان في المقاعد الخلفية، وحكم عليها، كما يفعل الكثيرون بكونها تلميذة كسولة، فعاشت المفارقة، تلميذة مجدة مجتهدة مبدعة وهي تلج عند أستاذ اللغة العربية موحى، وتلميذة صامتة منزوية في الأماكن الخلفية عند أستاذ اللغة الفرنسية، فجرت فاضمة القنبلة وسط أهلها، ووصل دوي الانفجار إلى المؤسسة التي استقبلت فاضمة.
بعد ثلاثة أسابيع، وذات صباح، كان موحى متوجها إلى مقر عمله حين استوقفه رجل في الأربعينيات من عمره، تتوارى خلفه تلميذة، على مقربة من المدرسة، فبادره بالقول:
– سي موحى؟؟؟
– ييه، نتان أيا
– أمازيغ ءاد تگيت؟؟؟
– ييه
– باباس ن فاضمة ءاياد، ءيربي ءا سي موحى ءاد تساولت س لوستاذ ن تفرانسيست، هاتي ءيتكرفص ءيي ف تفروخت، ءور سول تري ءاد دارس تكشّْمْ، ءيسيورّي تّْ غ تْغْرْدينْ، ءور ءا سيس ءيساوال، ءينخّْل ت، ءيسكر گيس الكسولة بلا تّْ تگا، هاتي تامازيرت ءولا دارك توف بدا تاروا، ما ست ياغن غ دارسْ نْتَّا؟؟؟
ريغ ءاد سيس ءاشتكاغ دار المدير، ماشّْ ريغْ ءادْ ءاسْ تْ زوارْ تنّيْ ءا ءيرحم ربي ءيفقّيرن، هاتي ءار بدّا فلاّغْ تالاّ، كيّي زّْغء واسّْ ءيزوورنْ، تميار، نتّا والو.
– بلا تسكرت والو، غار تهنا، راد سيس ساولغ، فاضمة تگا تانلمادت ءيفولكين، ءيتحشامن، ياقران، مرا هلّي كولو گانْ تارْوا زودْ نتَّاتْ، ءيكو ما ني را نلكم.
فانصرف الأب مرتاحا، ورافق موحى فاضمة إلى المؤسسة.
خلال الحوار أبلغ أب فاضمة أستاذ اللغة العربية موحى أن ابنته لم تعد ترغب في حضور حصص اللغة الفرنسية والرياضيات بسبب أستاذها الذي حكم عليها بكونها دون المستوى، فأجلسها بعيدا وواراها في المقاعد الخلفية، وأنه يريد إعلامه بالأمر قبل الشكوى به لإدارة المؤسسة، تكفل موحى بحل الملف، وانصرف الأب.
أنجز موحى حصة الصباح الأولى، وقبل الانصراف، انتظر قدوم زميله أستاذ اللغة الفرنسية والرياضيات، قدم، سلم عليه، وسأله:
– واحد البنية جديدة يالاه جات من النواحي ديال الصويرة، كي دايرة عندك ف الفرنسية والرياضيات، سولني عليها باها؟
– واش سميتها فاضمة؟
– آه، هي فاضمة ايت أودرار
– عيانة مسكينة، والو، ما تاتحرك ما والو
– عجيب
رد موحى مستغربا، ثم توجه إلى الخزانة، وأخرج منها دفتر التمارين الخاص بفاضمة، فتحه أمام أستاذ اللغة الفرنسية، وأراه الصفحات تباعا منطلقا من الصفحة الأولى، فانبهر.
مستوى رائع في الخط والإملاء والتراكيب والصرف والتحويل، وأعلى النقط في كل التمارين، ودفتر أنيق من أول صفحة إلى آخر صفحة اشتغلت عليها فاضمة فقط ذلك الصباح.
قال أستاذ اللغة الفرنسية:
– عجيب، عندي أخيي ما تاتحرك، كي درتي ليها نتا؟؟؟
فأجاب موحى:
– المفتاح يا صديقي في اللغة، إن تلك التلميذة من أحسن تلاميذ الفصل، ولكنها لا تتقن إلا الأمازيغية، لغة أمها، والعربية الفصحى التي تعلمتها في المدرسة، فلا تحدثها لا بالدارجة ولا بالحسانية، كما لا تحدث غير المتحدثين بالأمازيغية بالأمازيغية، وسترى الفرق.
بعد أسبوع، كانت فاضمة تنتظر بعيدا عن باب المؤسسة ومعها والدتها ووالدها، جرت عند الأستاذ موحى، وأخبرته أن اباها وأمها يريدان أن يحضرا لأستاذيها ولتلاميذ القسم يوم حفلة استلام نتائج الأسدس الأول هدية عبارة عن حلويات ومشروبات لشكرهم على دعمهما لها حتى اندمجت بسرعة، وحققت نتائج أكثر من رائعة، وإن لم يكن هناك مانع لتقديمها لهم.
قبل موحى الفكرة، وعرضها على باقي التلاميذ، فاحتفلوا جميعا ومعهم أستاذ اللغة الفرنسية بتفوق تلاميذ القسم، وعلى رأسهم فاضمة التي كادت أن تعاني ما عاناه ويعانيه أبناء المغاربة الذين لا يتحدثون إلا الأمازيغية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



