
بؤس السياسة أم سياسة البؤس؟
- محمد لحميسة //
بشكل مقدم أحيط من يقرأ علما بأنني لن أجيب عن هذا السؤال الذي تقدمت به، فكلا المجريين يصبان (في نظري) في نفس النهر، ألا وهو هشاشة المشهد السياسي في المغرب.
وأظن أن الأمر ليس جديدا، بل تتناقله الألسن والأقلام بشكل يومي، ولا أظنني فاتحا لمسار جديد في التفكير بقضية السياسة في هذا البلد، ولن أعود خارج السرب، فلست أعمى أو أصم، ولست منقوص الذكاء حتى أدافع عن بؤس يتلبس ممارسات الأحزاب، وعن لعبة سياسية جل ما تجيده هو انتاج البؤس والسباحة فيه.
الواقعة بكل بساطة كالتالي: أحزاب من الأغلبية والمعارضة يصوتون بالرفض على تسقيف المحروقات وإعادة محطة لاسامير إلى الدولة، ظننتني مخمورا لما سمعت الخبر ورأيت أسماء الأحزاب، لكنني تذكرت أنني لا أعاقر الخمر، ذلك حقيقة، ويا لبؤسها…
جزء كبير من مآسي الغلاء الذي استوطن بلدنا في السنوات الأخيرة احد أسبابه الرئيسية غلاء المحروقات، هذه المادة الحيوية التي كانت فيما سبق تتحكم بها السياسة عبر صندوق المقاصة، وكانت انذاك لا تراوح السبعة دراهم للتر، في السنوات الأخيرة استقرت في ثمن لا يقل عن احدى عشر درهم للتر، وفي الغالب اكثر منه، فهل يستفيد نواب الأمة، سياسيي البلد، رجالات الأحزاب من وضع مأزوم كهذا؟ هل لكل هذه الأحزاب مصالح في بقاء الأمور على حالها؟ هل فعلا تحترق أياديهم بشضايا نيران الغلاء الذي يعيش فيه مواطني هذا البلد؟ أم أنهم يعيشون في جزيرة موروكو وامتيازاتهم كسياسيين تضعهم فوق كل هذه النقاشات الخبزية القاعدية التي تؤرق بال الرعية لا السياسي؟ هل التعويضات السخية والمزايا المتحصلة من المنصب السياسي من علاقات متنوعة مع محركي الاقتصاد المغربي في كل ثناياه يمكن أن تسمح للفاعل السياسي بأن يكون أميناً في طلب الحق والدفاع عن ذوي الحظ القليل في اللعبة الاجتماعية والاقتصادية؟
لنتساءل ببراءة؛ هل يمكن لمن يكسب الحد الادنى للأجور أن يحظى بعيش كريم؟ ويستطيع أن يدفع ثمن سومته الكرائية وتغذيته ولباسه وتغطية احتياجات مرضه ان قدر الله؟
سأجيب، وبدون إطالة: لا.
إن الشرخ العظيم بين الخطاب والممارسة، هو جوهر البؤس السياسي الذي تتمخض فيه أحزابنا، حتى تلك التي تمتلك شرعية التأسيس وكانت ولادتها طبيعية انبثقت من رحم السياقات الاجتماعية والسياسية التي عاشها المغرب في فترات سابقة، حتى تلك التي كانت ندا ينازع المخزن في الشرعية السياسية والتجذر الشعبي، حتى هاته انمسخت وتحولت إلى جرذ قذر، يساهم في سحق من يتواجد في الجانب الأقل حظا داخل المجتمع.
إن واقعة كهذه من شأنها أن تسرع من انتشار عقيدة الالحاد السياسي الذي يسيطر على فئة كبيرة من الشعب، فالأرقام الرسمية تشير إلى عزوف انتخابي كبير وانسحاب منقطع النظير عن السياسة وما يدور في فلكها، مما يعمق فكرة بؤس السياسة في بلدنا، أو سياسة البؤس، اختر ما شئت مادام المعنى الإجمالي واحد: لا نخبة سياسية تحمل هم من حكمت الظروف والأقدار بأن يكون في الكفة الأضعف.
وسواء كان الأمر بؤس السياسة أم سياسة البؤس، فالنتيجة واحدة: مواطن يزداد بعدا عن الشأن العام، وسياسة تزداد بعدا عن المواطن. وبين الاثنين تتسع هوة الثقة حتى تكاد تبتلع ما تبقى من معنى التمثيل السياسي.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



