الثقافة

حين لا تستقيل الذاكرة..الحلقة الأولى

  • أكادير اليوم – بقلم حمزة أعراب //

قراءة في كتاب الحسن المنوزي “غاندي”: نضال مستمر من أجل الاستقلال والديمقراطية”

يقال في المعنى الأمازيغي إن الأرض لا تنسى أثر الأقدام، حتى حين تمرّ فوقها الرياح. وربما الذاكرة تشبه الأرض تماماً: قد يغطيها الغبار، وقد يظن البعض أنها سكتت، لكنها تحتفظ بما مرّ عليها، إلى أن يأتي من ينصت.
في زمن نعيش فيه سرعة غريبة، حيث يولد الخبر في الصباح ويموت قبل المساء، وحيث يتحول الإنسان أحياناً إلى متفرج يمرر أصبعه على شاشة صغيرة أكثر مما يمرر ذاكرته على أسئلة بلده، يبدو الرجوع إلى كتاب مثل “نضال مستمر من أجل الاستقلال والديمقراطية” للحسن المنوزي، المعروف بلقب “غاندي”، أكثر من مجرد قراءة في مذكرات. إنه عودة إلى ذلك السؤال القديم الجديد: ماذا يبقى من الوطن إذا استقالت ذاكرته؟
بعض الكتب تدخلها من الباب، وبعضها يدخل إليك من صورة الغلاف. صورة رجل، نظرة ثابتة، عنوان فيه كلمة لا تحب الراحة: النضال. واللافت أن الكتاب لا يقول “نضال منتهٍ”، ولا “نضال كان”، بل يقول نضال مستمر. كأن صاحبه يهمس للقارئ منذ الصفحة الأولى: لا تصدق أن الحكاية انتهت بمجرد أن تغيرت الأعلام، أو تبدلت الخطب، أو صارت الكلمات أكثر أناقة.
في الذاكرة الشعبية، هناك دائماً رجل كبير في السن إذا بدأ الكلام سكت الجميع. ليس لأنه يملك صوتاً عالياً، بل لأنه يحمل ما لا تحمله الكتب المدرسية دائماً: التفاصيل الصغيرة التي تنجو من النسيان. حكاية بيت انتظر، أمّ خبأت خوفها، رفاق تفرقوا بين الجبال والسجون والمنافي، وبلد كان يحاول أن يولد من جديد دون أن يترك أبناءه في منتصف الطريق.


كتاب الحسن المنوزي “غاندي” ينتمي إلى هذا النوع من الشهادات. لا يقدّم نفسه كوثيقة باردة، ولا كخطبة سياسية تبحث عن تصفيق. إنه أقرب إلى ذاكرة تمشي ببطء، لكنها تعرف الطريق. من المقاومة المغربية إلى جيش التحرير، ومن سؤال الاستقلال إلى سؤال الديمقراطية، ومن أسماء الرجال إلى آلام العائلات، يفتح الكتاب نافذة على زمن لم يكن فيه الوطن فكرة معلقة في الشعارات، بل ثمناً يُدفع من الجسد والعمر والسكينة.
والطريف، إن جاز استعمال الطرافة في مقام الذاكرة، أن بعض الألقاب تكون أحياناً أصدق من الأسماء. لقب “غاندي” ليس لقباً عادياً. هناك ألقاب تُمنح للزينة، وأخرى تلتصق بصاحبها لأنها تشبهه، أو لأن الناس وجدوا فيه شيئاً من الصبر، أو العناد الهادئ، أو الإيمان بأن القوة ليست دائماً في الصراخ. ومن هنا، يصبح الاسم مدخلاً لا إلى شخص فقط، بل إلى طريقة في النظر إلى النضال: نضال طويل النفس، لا يبحث دائماً عن الضوء، لكنه يرفض أن ينطفئ.
اليوم، ونحن نرى كيف تُختصر الذاكرة أحياناً في مناسبات رسمية، وكيف تتحول أسماء المقاومين والمناضلين إلى صور عابرة، يصبح السؤال ضرورياً: هل يكفي أن نحتفل بالماضي، أم يجب أن نفهمه؟ فالاحتفال بلا فهم قد يتحول إلى عادة. أما الفهم، فهو ما يجعل الذاكرة قوة حيّة لا مجرد ديكور جميل في جدار الوطن.
في سوس، كما في مناطق كثيرة من المغرب، لا تسكن الذاكرة في الكتب وحدها. تسكن في أسماء القرى، في الجبال، في الوجوه، في نبرة الكبار حين يذكرون شخصاً غائباً، وفي الصمت الذي ينزل فجأة حين تقترب الحكاية من الجرح. لذلك لا يمكن قراءة هذا الكتاب كأنه شأن عائلي أو شخصي فقط. إنه جزء من ذاكرة أوسع، ذاكرة جيل عاش بين حلم التحرير وامتحان بناء الدولة، بين مقاومة المستعمر ومساءلة الاستقلال عن وعوده.
وهنا تكمن أهمية هذه السلسلة الأسبوعية. لن تكون مجرد تلخيص لفصول كتاب، لأن التلخيص وحده يقتل أحياناً روح الشهادة. سنحاول، في كل حلقة، أن نقرأ محطة من محطات الكتاب كما تُقرأ آثار الأقدام في طريق قديم: لا لنقول فقط من مرّ من هنا، بل لنسأل أيضاً لماذا تعب، وماذا ترك، وماذا نسينا نحن بعده.
فالذاكرة، حين تكون صادقة، لا تأتي دائماً بصوت مرتفع. أحياناً تأتي مثل ماء خفي تحت الحجر. لا تراه في البداية، لكنه مع الوقت يصنع مجراه. وربما لهذا يخاف البعض من الذاكرة أكثر مما يخاف من الوثيقة؛ لأن الوثيقة قد تُحفظ في رف، أما الذاكرة إذا استيقظت فإنها تبدأ في طرح الأسئلة.
وهذا ما يجعل كتاب “نضال مستمر من أجل الاستقلال والديمقراطية” مهماً اليوم. ليس لأنه يعيدنا إلى الماضي فقط، بل لأنه يضع الماضي أمام الحاضر. يسألنا بهدوء: ماذا فعلنا بتضحيات من سبقونا؟ هل أنصفنا أسماءهم؟ هل حوّلنا آلامهم إلى درس، أم تركناها تتحول إلى غبار؟ وهل يمكن لوطن أن يمشي بثبات إذا كان يطلب من ذاكرته أن تمشي خلفه لا بجانبه؟
في الحلقة المقبلة، سنقترب من سؤال مركزي يحمله الكتاب في عمقه: لماذا يستمر الكفاح؟ وهو سؤال لا ينتمي إلى زمن المقاومة وحده. ففي كل زمن، هناك شكل جديد من الكفاح: كفاح ضد النسيان، ضد الظلم، ضد احتقار الإنسان، وضد تلك الفكرة الخطيرة التي تقول إن الماضي مات وانتهى.
الماضي لا يموت دائماً. أحياناً يجلس بهدوء، ينتظر فقط من يفتح الكتاب.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى