
“محاكمة افتراضية”.. حين يحاكم الهاتف الأطفال فوق الخشبة
بقلم: يوسف الصافي
ضمن فعاليات مهرجان ربيع المسرح، قدّمت براعم الأفق عرضها المسرحي المتميز “محاكمة افتراضية” من إخراج الفنان بشير أركي، بمشاركة أطفال من المدارس الابتدائية بمدينة تارودانت ونواحيها، في تجربة مسرحية جمعت بين البعد التربوي والرهان الجمالي، واستطاعت أن تلامس واحدة من أكثر القضايا حضورًا في حياتنا المعاصرة: الاستعمال المفرط والسيئ للهاتف الذكي وتأثير التكنولوجيا على الطفولة.
منذ اللحظات الأولى للعرض، بدا واضحًا أن المخرج راهن على بناء فرجة مسرحية متكاملة العناصر، لا تكتفي بطرح السؤال التربوي المباشر، بل تسعى إلى تحويله إلى فعل جمالي حيّ ينبض فوق الخشبة. فالموضوع، رغم راهنيته وارتباطه الوثيق بالتحولات الرقمية التي يعيشها المجتمع، قُدِّم بلغة مسرحية راقية، بعيدة عن الوعظ والتلقين، وقريبة من روح الفن وقدرته على إثارة التفكير.
تميّز العرض بأداء جماعي منسجم لأطفال استطاعوا أن ينقلوا أفكار النص بصدق وعفوية، مع اعتماد لغة عربية فصيحة جاءت سليمة وواضحة، وهو ما منح العمل بعدًا تربويًا إضافيًا دون أن يفقده قيمته الفنية. كما أبان الممثلون الصغار عن قدرة لافتة على الإلقاء والتفاعل مع إيقاع العرض، الأمر الذي جعل حضورهم فوق الركح حضورًا مؤثرًا ومقنعًا.
وعلى المستوى الإخراجي، اشتغل بشير أركي على مفهوم التوازن البصري داخل الفضاء المسرحي، فبدت حركة الممثلين موزونة ومدروسة، تتناغم مع الإضاءة والمؤثرات الصوتية والسينوغرافيا في تشكيل صورة ركحية متكاملة. وقد نجح العرض في تحويل أبسط العناصر إلى أدوات دلالية فاعلة؛ إذ شكّلت الكراسي العمود الفقري للسينوغرافيا، متنقلة بين أكثر من وظيفة ومعنى: تارةً محكمة تُعقد فيها جلسات المحاكمة، وتارةً قفص اتهام، وتارةً فضاءً للقراءة والتعلم، في توظيف ذكي يؤكد أن الخيال المسرحي قادر على صناعة عوالم متعددة بأدوات بسيطة.
كما ساهمت الإضاءة في إبراز التحولات الدرامية والمزاجية للمشاهد، بينما عززت المؤثرات الصوتية الإحساس بالصراع القائم بين الطفل والعالم الافتراضي، في علاقة أصبحت اليوم من أكثر العلاقات تعقيدًا وإثارة للأسئلة.
لقد نجحت “محاكمة افتراضية” في أن تجعل من الخشبة فضاءً للتأمل في مستقبل الطفولة داخل العصر الرقمي، وأن تفتح نقاشًا فنيًا وتربويًا حول حدود العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. وهي بذلك لا تقدم مجرد عرض مسرحي للأطفال، بل تقترح رؤية جمالية تجعل من المسرح أداة للوعي، ومن الفن وسيلة لإعادة التفكير في تفاصيل حياتنا اليومية.
إنه عرض يؤكد أن مسرح الطفل، حين يحظى بالرؤية الفنية والتأطير الجاد، قادر على إنتاج فرجة راقية، تجمع بين المتعة والمعرفة، وتمنح الأطفال فرصة حقيقية للتعبير والإبداع، كما تمنح الجمهور لحظة تأمل جميلة في أسئلة عصر لا يكف عن التغير.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



