الثقافة

أزمة الحقل الثقافي والإعلامي في المغرب: واقع الصحافة والكُتّاب والفنانين وتحديات الإبداع والمهنية

  • بدر شاشا //
يشهد المشهد الثقافي والإعلامي في المغرب تحولات عميقة ومتسارعة تطرح للنقاش تساؤلات حارقة حول واقع ومستقبل المهن الفكرية والإبداعية؛ فالصحافة، والكتابة، والفن بمختلف تلاوينه، تشكل معاً المرآة العاكسة لوعي المجتمع وديناميته الديمقراطية والتنموية. ورغم الهامش الدستوري المتقدم والإصلاحات القانونية التي عرفتها هذه القطاعات في السنوات الأخيرة، إلا أن الفاعلين في هذه المجالات يجمعون على وجود اختلالات بنيوية ومشاكل مادية وتنظيمية معقدة، تؤثر سلباً على جودة المنتج الثقافي والإعلامي، وتضعف من المكانة الاعتبارية للمثقف والفنان والصحفي داخل النسيج المجتمعي.
 الصحافة والصحفيون: أزمة النموذج الاقتصادي وتحديات الأخلاقيات والرقمنة
تواجه الصحافة المغربية، بشقيها المكتوب والإلكتروني، أزمة وجودية خانقة ترتبط أساساً بانهيار النموذج الاقتصادي التقليدي لوسائل الإعلام؛ فمع الثورة الرقمية وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي العملاقة على سوق الإشهار والإعلانات، تراجعت مداخيل المقاولات الصحفية بشكل حاد، مما جعل العديد منها عاجزاً عن تحقيق التوازن المالي، ودفع ببعض الصحف العريقة إلى إغلاق أبوابها أو تقليص عدد طواقمها. هذا الضعف المالي للمؤسسات الإعلامية ينعكس مباشرة على الوضعية المادية والاجتماعية للصحفيين، الذين يعانون في فئات واسعة منهم من تدني الأجور، وغياب الاستقرار المهني، ونقص الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، فضلاً عن ضعف التكوين المستمر الذي يواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة في البيئة الرقمية.
وينضاف إلى المعاناة المادية تحديات مهنية وأخلاقية وقانونية بالغة الحساسية، حيث يواجه الجسم الصحفي ضغوطاً متزايدة ناجمة عن طغيان منطق “البوز” والبحث عن نسب المشاهدة (النقرات) على حساب جودة الخبر والتحري الرصين، مما ساهم في تناسل منصات إلكترونية تفتقر لأبسط مقومات المهنية وتسيء لسمعة الصحافة الجادة. وعلى المستوى القانوني، ورغم إلغاء العقوبات السالبة للحرية من قانون الصحافة والنشر، إلا أن ملاحقة بعض الصحفيين بقوانين أخرى كالقانون الجنائي في قضايا مختلفة تثير باستمرار نقاشات حادة حول حدود حرية التعبير وضمانات المحاكمة العادلة، بالإضافة إلى إشكالية الولوج إلى المعلومة التي لا تزال تصطدم بعقليات إدارية متحفظة تعيق قيام الصحافة بدورها كشريك في الرقابة المجتمعية.
الكُتّاب والمثقفون: معضلة القراءة، أزمة النشر، والتهميش المادي
لا يختلف واقع الكاتب والمثقف المغربي كثيراً عن واقع الصحفي، بل قد يكون أكثر عزلة وتقشفاً؛ فالكتابة والتأليف في المغرب تصطدم بظاهرة “العزوف عن القراءة” وضعف إقبال المجتمع على اقتناء الكتب والمجلات الفكرية، مما يجعل سوق النشر والتوزيع سوقاً ضيقة ومحدودة العائدات. ويواجه الكاتب المغربي معاناة يومية مع دور النشر التي يفتقر بعضها للاحترافية والشفافية في توزيع نسب المبيعات، حيث يجد الكاتب نفسه مجبراً في كثير من الأحيان على تمويل طبع كتابه من ماله الخاص دون الحصول على توزيع لائق أو مواكبة نقدية وإعلامية تخرج مؤلفه إلى العلن، مما يحول فعل الكتابة من مشروع فكري منتج إلى مغامرة مادية خاسرة بدافع الشغف الشخصي فقط.
هذا الوضع السوسيو-اقتصادي الهش أدى إلى تراجع أدوار النخبة الثقفية وغياب المفكر عن النقاشات العمومية الكبرى، حيث يجد الكاتب نفسه مغيباً عن المشهد الإعلامي والقنوات الرسمية التي باتت تفضل المحتويات الترفيهية السطحية على حساب البرامج الثقافية الرصينة. إن غياب سياسة عمومية قوية لدعم المبدعين والكتاب، وضآلة المنح المخصصة للإبداع الأدبي والترجمة، يدفع بالعديد من الطاقات الفكرية والروائية المغربية إما إلى الهجرة نحو دور نشر عربية وأوروبية للبحث عن التقدير المادي والمعنوي، أو الانكفاء والامتناع عن الإنتاج، مما يهدد الأمن الثقافي للمملكة ويترك الساحة الفارغة للمحتويات الهابطة التي تساهم في تدمير الذوق العام.
 الفنانون والمبدعون: غياب قنوات الدعم المستدام وصراع الكرامة والشيخوخة
يمثل القطاع الفني في المغرب لوحة دراماتيكية تمتزج فيها أضواء الشهرة الزائفة بمعاناة اجتماعية حقيقية يعيشها الفنان المغربي بعيداً عن بلاتوهات التصوير وخشبات المسرح؛ فأكبر مشكل يؤرق بال الفاعلين في الحقل الفني (من ممثلين، ومخرجين، وموسيقيين، وتشكيليين) هو الطابع الموسمي والمؤقت للمهن الفنية، حيث يفتقر جل الفنانين لفرص عمل قارة ومستدامة طوال السنة، ويظلون رهائن لطلبات عروض القنوات التلفزيونية الرسمية أو الدعم الموسمي الذي تقدمه وزارة الثقافة، والذي يثير بدوره في كثير من الأحيان جدلاً واسعاً حول معايير الاستحقاق والشفافية في توزيعه بين شركات الإنتاج والمبدعين.
وتظهر المأساة الحقيقية للفنان المغربي عند التقدم في السن أو الإصابة بمرض مزمن، حيث يجد فنانون قدموا الكثير للذاكرة الوطنية أنفسهم في مواجهة الفقر المدقع والعجز عن تسديد تكاليف العلاج، مما يضطرهم لإطلاق نداءات استغاثة عبر منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يمس بكرامة المبدع ويسيء لصورة الفن بالبلاد؛ ورغم إحداث “بطاقة الفنان” وتأسيس بعض التعاضديات الوطنية للفنانين، إلا أن هذه الآليات لا تزال عاجزة عن استيعاب وتغطية كل فئات المبدعين، خاصة الشباب منهم وضمان دخل أدنى يحميهم من تقلبات الزمن، ناهيك عن مشاكل القرصنة وغياب التفعيل الصارم لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة التي تحرم الفنان من عائدات استغلال أعماله الإبداعية.
إن النهوض بأوضاع الصحافة والكتاب والفنانين في المغرب يتطلب رؤية استراتيجية شمولية تقطع مع المقاربات الإحسانية والمؤقتة، وتتعامل مع الثقافة والإعلام كقطاعين إنتاجيين واستراتيجيين يسهمان في صناعة الثروة وتشكيل الهوية الوطنية؛ ويمر الحل حتماً عبر صياغة قوانين عصرية تضمن الكرامة المادية والاجتماعية لهؤلاء الفاعلين، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية لتشمل كافة المبدعين، مع تشجيع الاستثمار الخاص في الصناعات الثقافية والإعلامية، وإعادة الاعتبار للمنتج الفكري داخل المنظومة التعليمية والإعلامية، لإعادة بناء مجتمع يقدر الفكر، ويحترم الفن، ويؤمن بدور الصحافة الحرة والمسؤولة في بناء المستقبل.
          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى