
المكتبة الوطنية للمملكة المغربية: دبلوماسية ثقافية في خدمة القضايا الوطنية الكبرى
تتهيأ المكتبة الوطنية للمملكة المغربية لاحتضان منتدى المكتبات الوطنية الإفريقية من 10 الى 11 يونيو تحت شعار “المكتبات الوطنية في العصر الرقمي: تعاون- ابتكار- ولوج”، في حدث ثقافي وعلمي ذي أبعاد قارية ودولية، يعكس التحول المتنامي الذي تعرفه المؤسسة ويؤكد موقعها المتقدم ضمن منظومة الدبلوماسية الثقافية المغربية.. ويأتي هذا الموعد في سياق يتسم بتعزيز الحضور المغربي داخل إفريقيا، واستعداد مدينة الرباط لحمل لقب عاصمة الكتاب العالمية لسنة 2026، بما يمنح لهذا المنتدى أهمية تتجاوز الإطار المهني للمكتبات نحو فضاءات التأثير الثقافي والاستراتيجي وخدمة المصالح الوطنية العليا للبلاد.
لقد عاشت المكتبة الوطنية خلال سنوات مضت مرحلة من التراجع النسبي على مستوى الإشعاع الثقافي والعلمي، وهو ما انعكس على حجم حضورها في النقاشات الفكرية والمبادرات الدولية الكبرى. إلا أنه لوحظ مؤخرا انكشاف دينامية جديدة تؤشر على استعادة المؤسسة لدورها المركزي، بما هي حارسة للذاكرة الوطنية ومستودعا للتراث الوثائقي المغربي، وأيضاً باعتبارها فاعلا مؤسساتياً قادراً على المساهمة في تنفيذ الرؤية الثقافية والاستراتيجية للبلد.
وتتجلى أهمية هذا التحول في الإدراك المتزايد للدور الذي أصبحت تلعبه الثقافة في العلاقات الدولية المعاصرة، فالدبلوماسية لا تقتصر على القنوات السياسية والاقتصادية التقليدية غحسب، إنما باتت تعتمد بشكل متنام على ما يسمى بالقوة الناعمة، أي القدرة على التأثير عبر المعرفة والثقافة والقيم والرموز الحضارية. وفي هذا السياق، أصبحت المكتبات الوطنية في مختلف دول العالم مؤسسات فاعلة في بناء الصورة الدولية للدول وتعزيز حضورها الرمزي والمعرفي داخل الفضاءات الإقليمية والدولية.
ومن أبرز المؤشرات الدالة على هذا التحول، احتضان المكتبة الوطنية للرّصيد الوثائقي والعلمي للفيلسوف واللساني الاجتماعي الأمازيغي الجزائري الراحل سالم شاكر (2025)، والذي يضم آلاف الوثائق والمخطوطات والمراجع المتخصصة في اللغة والثقافة الأمازيغيتين، بالإضافة لأرشيف المفكر المغاربي الجزائري العالمي (محمد أركون) والذي خصصت له المكتبة ركنا خاصا بأرشيفه.. وهو اليوم متاح للباحثين في مختلف بقاع العالم.
وتتجاوز أهمية هذه المعطيات بعدها الأكاديمي الخالص، إذ تعكس الثقة المتزايدة التي أصبحت تحظى بها المؤسسات الثقافية المغربية لدى النخب العلمية والفكرية المغاربية، كما تؤكد قدرة المغرب على توفير شروط الحفظ والصيانة والتثمين العلمي للتراث الفكري المشترك لشعوب المنطقة. وهو ما يجعل من مؤسستنا الثقافية فضاءً إقليمياً لاستقبال الذاكرة الثقافية المغاربية وصيانتها وإتاحتها للباحثين والأجيال القادمة.
ويندرج تنظيم منتدى المكتبات الوطنية الإفريقية ضمن التوجه الاستراتيجي الذي جعل من العمق الإفريقي للمغرب خياراً ثابتاً في السياسة الخارجية للمملكة. فمنذ العودة إلى الاتحاد الإفريقي، لم يقتصر الحضور المغربي داخل القارة على الجوانب الاقتصادية والاستثمارية فحسب، بل شمل أيضاً مجالات الثقافة والمعرفة والتكوين وتبادل الخبرات. ومن هذا المنطلق، تشكل المكتبة الوطنية إحدى الواجهات الثقافية القادرة على مواكبة هذا التوجه عبر بناء شبكات للتعاون بين المؤسسات الوثائقية والعلمية الإفريقية، وتعزيز تبادل الخبرات والتجارب في مجالات حفظ التراث والرقمنة وإدارة المعرفة.
وتكتسي هذه الدينامية أهمية خاصة في ظل التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، حيث أصبحت المعرفة موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية. فالمكتبات الوطنية ليست فضاءات لحفظ الكتب والأرشيفات فقط، إنما تحولت إلى مؤسسات منتجة للمعرفة، ومراكز للتوثيق الرقمي، ومنصات للحوار الثقافي بين الأمم. ولذلك فإن جمع مسؤولي وخبراء المكتبات الوطنية الإفريقية في الرباط يمثل فرصة لتعزيز التعاون جنوب-جنوب، وتطوير مشاريع مشتركة تسهم في حماية الذاكرة الإفريقية وإبراز مساهمة القارة في الحضارة الإنسانية.
ومن زاوية أخرى، يساهم هذا المنتدى في ترسيخ صورة المغرب كمنصة للحوار الثقافي الإفريقي والدولي، وكجسر للتواصل بين إفريقيا والعالم.
والرهان اليوم لا يتعلق فقط بتنظيم تظاهرة مهنية عابرة، وإنما بإبراز قدرة المؤسسات المغربية على احتضان النقاشات الكبرى المرتبطة بالثقافة والمعرفة والتنمية الدولية، وتعزيز مكانة البلد والشعب باعتبارها فاعلا ثقافيا مؤثرا في محيطه الإقليمي والقاري.
كما أن هذا الحدث ينسجم مع الاستعدادات الجارية لاستقبال الرباط لقب عاصمة الكتاب العالمية لسنة 2026، وهو التتويج الذي يعكس الاعتراف الدولي بالمجهودات التي يبذلها الفاعل الثقافي في مجال النهوض بالثقافة والكتاب والمعرفة. وفي هذا السياق، يصبح منتدى المكتبات الوطنية الإفريقية مناسبة لإبراز جاهزية المؤسسات الثقافية المغربية للاضطلاع بأدوار دولية متقدمة، ولتأكيد أن الثقافة تشكل إحدى الركائز الأساسية للتنمية المستدامة ولتعزيز مكانة الدول في عالم تتزايد فيه أهمية الرأسمال الرمزي والمعرفي.
إن استضافة المكتبة الوطنية للمملكة المغربية لهذا المنتدى الإفريقي لا يتحدد في كونه نشاطا ثقافيا ضمن أجندة مؤسساتية عادية، بل هو فعل دبلوماسي وثقافي واستراتيجي متكامل، يترجم الرؤية المغربية التي تجعل من الثقافة رافعة للتنمية وأداة للتقارب بين الشعوب ووسيلة لتعزيز المصالح الوطنية. فحين تلتقي الذاكرة بالمعرفة، والثقافة بالدبلوماسية، تصبح المكتبة الوطنية أكثر من مؤسسة لحفظ التراث؛ إنها فضاء لإنتاج التأثير وصناعة الحضور المغربي في إفريقيا والعالم، وتجسيد عملي لقوة ناعمة تتعزز يوما بعد يوم في خدمة القضايا الوطنية الكبرى للجمهور ومجاله.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



