الثقافة

أحمد أبعمران : حين يعود صُنّاع الأثر إلى الواجهة

في زمنٍ أصبحت فيه السرعة معيارا للانتشار، والظهور المتواصل شرطًا للبقاء في دائرة الضوء، تظل هناك أسماء اختارت طريقا مختلفا، آمنت بأن القيمة الحقيقية للفنان تُقاس بما يتركه من أثر، لا بما يحققه من حضور عابر. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان والكاتب والملحن أحمد أبعمران، أحد الوجوه التي أسهمت في صناعة جزء مهم من الذاكرة الفنية للأغنية الأمازيغية السوسية.
فالرجل الذي فضّل الاشتغال في هدوء بعيدا عن الصخب، ظل حاضرا من خلال أعماله أكثر مما كان حاضرا بصورته. وبينما انشغل كثيرون بملاحقة الأضواء، كان أحمد أبعمران منشغلًا ببناء رصيد فني قائم على الكلمة الراقية واللحن الذي يحمل روحًا وهويةً وإحساسا. لذلك لم يكن غريبا أن تواصل الأعمال التي تحمل بصمته تحقيق حضورها لدى الجمهور، حتى خلال الفترات التي غاب فيها عن الواجهة.
لقد ارتبط اسم أحمد أبعمران بعدد من الأعمال التي وجدت طريقها إلى قلوب المستمعين، واستطاعت أن تحجز مكانها داخل المشهد الفني الأمازيغي، بفضل ما تحمله من صدق في التعبير وعمق في المعالجة. وهي مسيرة تجعل منه واحدًا من أولئك المبدعين الذين خدموا الأغنية الأمازيغية من وراء الستار، وأسهموا في تطويرها وإغنائها بعيدا عن حسابات الشهرة والضجيج.
اليوم، يعود أحمد أبعمران بإصدار جديد يضع الإنسان ومشاعره في صلب الحكاية. عمل فني يستحضر واحدة من أكثر التجارب الإنسانية وجعًا؛ تجربة الخذلان حين يأتي ممن مُنحوا الثقة، والانكسار الذي يخلّفه تبدّل الوجوه وتغيّر المواقف. ومن خلال نص مشبع بالإحساس، ينجح الفنان في رسم ملامح حكاية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتلامس مشاعر شريحة واسعة من الجمهور.
ولا يكتفي العمل بسرد قصة الألم، بل يطرح في عمقه أسئلة إنسانية حول معنى الوفاء، وقيمة الصداقة، وحدود الثقة في زمن أصبحت فيه العلاقات أكثر هشاشة. وهي المواضيع التي لطالما شكّلت مادة خصبة للأعمال الفنية الخالدة، لأنها تنطلق من الإنسان وتعود إليه.
ويحمل هذا الإصدار توقيع أحمد أبعمران على مستوى الكلمات والألحان، في تأكيد جديد على شخصيته الفنية التي تجمع بين الكتابة والتلحين، وعلى حرصه الدائم على تقديم أعمال تنبع من رؤية فنية متكاملة. فيما احتضن استوديو Redall Prod مختلف مراحل التنفيذ والإنتاج الفني للعمل.
وتأتي هذه العودة لتؤكد أن الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى الوجود الدائم في الواجهة كي يحافظ على مكانته. فهناك أسماء تفرض حضورها كلما ذُكرت الأعمال الجيدة، وكلما جرى الحديث عن الكلمة التي تعيش طويلًا بعد انتهاء الأغنية. وأحمد أبعمران واحد من تلك الأسماء التي اختارت أن تراهن على الجودة بدل الكثرة، وعلى الأثر بدل الضجيج.
ومع إطلاق هذا العمل الجديد عبر قناته الرسمية على منصة يوتيوب، يفتح أحمد أبعمران صفحة جديدة من مساره الفني، في وقت تبدو فيه الساحة الثقافية والفنية في حاجة متزايدة إلى أعمال تمنح للكلمة قيمتها الحقيقية، وللفن رسالته، وللإبداع مكانته التي يستحقها.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى