
“لماذا؟ Why” * : الفرق بين الإنسان والأشياء هو الشعور بالألم؟
*مقتطف من كتاب الزميل المكي بوسراو الذي يوجد تحت الطبع.
عنوانه”لماذا؟ Why”
يعتقد أغلبنا أن الفرق بين الإنسان والأشياء هوالإرادة أو الفكر أو الحرية. لكن هذه البداهة قابلة للتشكيك و ربما قد تكون متهافتة. لماذا؟ لأن الفرق بينها يكمن في الإحساس بالألم، أي نعم الألم. فعلا فالكائنات العضوية تشعر بالألم عكس الكائنات اللاعضوية التي تفتقد إلى هذا الشعور.
فالمعاناة والإحساس بالألم هي خاصية الكائنات الحية العضوية فقط. أما الكائنات الأخرى فلا ينطبق عليها الأمر. إذ من المستحيل أن يشعر الحجر أو الكرسي او السيارة بالألم. كما لا يمكن الحديث عن ألم الشركة أو التاريخ أو المستقبل. لسبب بسيط هو أن هذه الأشياء فاقدة للإحساس.
الكائنات العضوية وحدها تتألم وتعاني، ومن صلب هذا الشعور استطاع الانسان أن يفهم ذاته ويدرك الكون ويتعاطف مع الآخر في ألمه ومعاناته. ولعل الإحساس بالألم هو الذي منح الانسان القدرة على الابتكار ودفعه إلى إبداع الأفكار والتقنيات في محاولة للتغلب على المعاناة.
كما دفعه هذا الأمر إلى تقاسم مشاعره وخبراته مع الآخرين مما فتح الباب أمام تأسيس ثقافة التعاون والتضامن والتعايش. وهي قفزة نوعية في تطور الحضارة البشرية.
فبدون الشعور بالألم كان من الصعب بل من المستحيل على الانسان أن يتقدم في مغامرته الحضارية، إذ كيف يمكن لإنسان لا يتألم ولا يداهمه المرض أن يبحث عن الحل وأن يبدع الوسائل ويبتكر التقنيات التي من شأنها مقاومة المرض ولما لا القضاء عليه.
إن الاهتمام بالجسد وحمايته من المخاطر المتربصة به، كان هو الدافع الأكبر لبروز فكرة التقدم. فالأدوات والتقنيات التي ابتكرها الانسان في العصر الحجري كانت في مجملها بهدف الحفاظ على البقاء والاستمرار في العيش عبر حماية الجسم من المخاطر التي تهدده.
كما أن المعارف والعلوم التي أسست لتطور الحضارة البشرية مثل الطب والصيدلة والكيمياء وعلوم الأحياء وحتى الهندسة وعلم الاقتصاد وعلم النفس …إلخ كانت الغاية منها تحسين وضع الانسان و تطوير أدائه وتحقيق الرفاهية المادية والسعادة الروحية.
إن الأمر لا يمكن اختزاله فقط في الإحساس بالألم ، بل يتجاوزه إلى كل المشاعر الأخرى التي تميز الكائنات العضوية عن غيرها من الكائنات.
مثل الإحساس بالخوف والفرح والإهانة والتهديد…إلخ ، حيث أن الأشياء لا تخاف ولا تفرح، لا تحزن ولا تشعر بالإهانة. إذ لم نسمع قط أن الباب يحس بالفرح حين يفتح أو أن قطعة الحديد تشعر بالإهانة عندما يضربها الحداد أو أن الصخر يخاف أو يحزن حين ترتطم به الأمواج.
ولعل هذه المشاعر مجتمعة هي التي كانت وراء تطور الذكاء الإنساني وتنمية قدراته ومؤهلاته الإبداعية ، بل يمكننا أن نجزم أن في أصل الحضارة البشرية كانت الأحاسيس.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



