
الترجمة الى الامازيغية بين الامانة للنص الاصلي وخصوصيات اللغة الهدف
- الرباط : عبد الواحد بومصر //
تطرح الترجمة الى اللغة الامازيغية مجموعة من الاشكالات المرتبطة اساسا بتحقيق التكافؤ الدلالي بين النص الاصلي والنص المترجم. فالمقصود بالتكافؤ هنا ليس التطابق الحرفي بين الكلمات، وانما نقل المعنى والوظيفة التواصلية والاثر الذي يحدثه النص في متلقيه. ومن هذا المنطلق، يصبح المترجم مطالبا بالبحث عن الصيغ الاكثر ملاءمة للغة الامازيغية، مع الحرص على عدم الاخلال بمضمون النص الاصلي.
ولا يتحقق هذا التكافؤ الا من خلال فهم عميق لخصوصيات اللغة الهدف. فالامازيغية تمتلك نظاما لغويا خاصا بها على المستويات الصرفية والتركيبية والدلالية، يختلف في عدد من جوانبه عن العربية والفرنسية. لذلك لا يكون النقل الحرفي للجمل والتراكيب كافيا في كثير من الاحيان، بل قد يؤدي الى انتاج نصوص ثقيلة او بعيدة عن الاستعمال الطبيعي للغة. ومن ثم يتعين على المترجم اعادة بناء الجملة وفق منطق الامازيغية وقواعدها التعبيرية، مع مراعاة الخصائص الاسلوبية التي تميزها. فالترجمة الجيدة ليست تلك التي تعكس بنية النص الاصلي كلمة بكلمة، بل تلك التي تبدو طبيعية وسلسة بالنسبة للقارئ الامازيغي، وتجعله يتلقى الرسالة كما لو انها كتبت اصلا بلغته.
ويتجلى ذلك بوضوح في الترجمة الادارية. فعندما يرد في نص عربي تعبير من قبيل: “المرجو ايداع الملف داخل الاجال المحددة”، فان الترجمة الحرفية قد تؤدي الى تركيب ثقيل او غير مالوف في الامازيغية. اما الترجمة الدلالية فتسعى الى نقل مضمون الرسالة الادارية باسلوب واضح ومفهوم، مع احترام الخصائص التركيبية للغة الهدف. وينطبق الامر نفسه على عدد من المصطلحات الادارية الحديثة التي استدعت مجهودا اصطلاحيا من اجل ايجاد مقابلات مناسبة لها داخل الامازيغية.
في المجال التربوي، يواجه المترجم تحديا اخر يتمثل في نقل المفاهيم البيداغوجية والعلمية. فمصطلحات مثل “التقويم” و”الكفاية” و”التعلم الذاتي” و”التعلمات الاساس” لا تقتضي مجرد ايجاد مقابلات معجمية، بل تستوجب فهما دقيقا للمفهوم التربوي الذي تحيل اليه. ولذلك فان الترجمة الناجحة في هذا المجال هي التي تنقل المفهوم قبل نقل اللفظ.
اما في الترجمة الاعلامية، فان عامل السرعة ووضوح الرسالة يفرضان على المترجم اختيار صيغ مباشرة وقريبة من المتلقي. فالهدف من الخبر الاعلامي ليس المحافظة على البنية الاصلية للجمل، بل ضمان وصول المعلومة باكبر قدر من الوضوح والدقة. ولهذا غالبا ما يتم اللجوء الى اعادة الصياغة وتبسيط بعض التراكيب بما ينسجم مع اسلوب اللغة الامازيغية.
تزداد اهمية البعد الثقافي في النصوص الادبية والتراثية. فالامثال الشعبية والتعابير المجازية والصور البلاغية ترتبط بسياقات ثقافية خاصة، وقد تفقد قيمتها اذا نقلت حرفيا. لذلك يلجا المترجم الى البحث عن مقابلات ثقافية أكثر قربا من المعنى الأصلي او الى اعادة بناء الصورة التعبيرية بما يحافظ على الاثر الجمالي والدلالة الاصلية. وهنا تتجلى وظيفة المترجم بوصفه وسيطا بين ثقافتين، لا مجرد ناقل للكلمات.
من خلال هذه الامثلة يتضح ان الترجمة الى اللغة الامازيغية عملية تتجاوز الجانب اللغوي المحض، لتشمل ابعادا ثقافية وتواصلية ومعرفية. كما يتبين ان نجاحها رهين بقدرة المترجم على الموازنة بين الامانة للنص الاصلي واحترام خصوصيات اللغة الهدف. فكلما اقتربت الترجمة من روح النص ومعناه، وابتعدت عن النقل الحرفي الجامد، كانت اكثر قدرة على تحقيق التواصل وايصال الرسالة الى المتلقي الامازيغي بصورة سليمة وطبيعية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



