الثقافة

بيلماون إنزكان.. نجاح تنظيمي وأسئلة عميقة حول الهوية والذاكرة والإبداع

بعد إسدال الستار على دورة هذه السنة من كرنفال بيلماون، لا يسعنا إلا أن ننوه بالمجهودات التنظيمية الكبيرة التي بُذلت لإنجاح هذا الموعد الثقافي والفني الذي أصبح ينتظره الجميع كل سنة، باعتباره واحدا من أبرز التعبيرات الشعبية والثقافية بالمغرب. كما نتقدم بتحية تقدير واحترام لكل القائمين على التنظيم، ولكل المتدخلين الذين ساهموا من قريب أو بعيد في إخراج هذه الدورة إلى حيز الوجود رغم مختلف التحديات والإكراهات.
كما لا يفوتنا تقديم الشكر والتقدير للسلطات الأمنية بمختلف تلاوينها، ولكافة المصالح والجهات المتدخلة التي ساهمت في تأمين وتنظيم هذا الحدث في أجواء آمنة ومنظمة، مما ساعد على مرور فعاليات الكرنفال في ظروف جيدة تعكس روح المسؤولية والتعاون خدمةً للساكنة والزوار.
ورغم هذه المجهودات المحترمة، فإن إبداء بعض الملاحظات بكل موضوعية يبقى أمرا ضروريا من أجل تطوير هذا الموروث الثقافي العريق والحفاظ على روحه الأصيلة. ومن أبرز ما لوحظ خلال هذه الدورة، نوع من التراجع على مستوى الإبداع المرتبط بالهوية المغربية والثقافة الأمازيغية الأصيلة، سواء من حيث الأزياء أو الرموز أو الرسائل الفنية التي كانت في دورات سابقة تعكس عمق الموروث الحضاري المحلي بشكل أقوى وأكثر وضوحا.
فبيلماون ليس مجرد كرنفال لاستعراض الفرق الموسيقية أو تقديم فقرات احتفالية عابرة، بل هو تقليد ثقافي ومسرحي شعبي ضارب في التاريخ، يحمل في عمقه رسائل اجتماعية ورمزية متعددة، ويعكس بطريقة فرجوية ساخرة ومبدعة الكثير من الظواهر والسلوكيات الموجودة داخل المجتمع. لقد ظل هذا الموروث لعقود طويلة فضاءً للتعبير الحر والنقد الاجتماعي الهادف بأسلوب فني شعبي، يجعل من الفرجة وسيلة لطرح قضايا الواقع ومناقشتها بروح جماعية مرحة تحافظ على الخصوصية الثقافية للمنطقة.
ومن بين النقاط التي تستحق الوقوف عندها أيضا، ضرورة التأكيد على أن المؤسسة التي أشرفت على تنظيم الكرنفال لا يمكن اعتبارها الوصية الوحيدة على هذا الموروث بالإقليم، لأن بيلماون ملك جماعي للساكنة وللذاكرة الجماعية الأمازيغية، ساهمت في حمايته والحفاظ عليه أجيال متعاقبة داخل مختلف المناطق والقبائل. وبالتالي، فإن تطوير هذا الحدث ينبغي أن يتم في إطار مقاربة تشاركية تحترم العمق التاريخي والثقافي للعادة.
كما أن تراجع حضور “إسوياس” التاريخية يشكل خطرا حقيقيا وجب الانتباه إليه، باعتبارها المنبع الأصلي للعادة والضامن الأساسي لاستمرارها وحفظ روحها الأصيلة. فهذه الفضاءات الشعبية ليست مجرد تفاصيل ثانوية، بل تمثل الذاكرة الحية لبيلماون، وأي إضعاف لها يعني فقدان جزء مهم من الهوية الرمزية والاجتماعية لهذا الموروث العريق.
ومن الملاحظات المهمة كذلك، استمرار غياب البعد الأكاديمي والتوثيقي والتعريفي بهذه العادة، وهو جانب أصبح اليوم ضرورة ملحة لتأطير الشباب وربطهم بالخلفيات الثقافية والرمزية والاجتماعية لبيلماون، بدل اختزال المشاركة فقط في الجانب الاستعراضي أو البحث عن الفرجة السريعة. فالمطلوب اليوم هو خلق توازن حقيقي بين الإبداع الفني والحفاظ على الوعي الثقافي والهوية التاريخية للعادة.
وفي هذا السياق، يثير التراجع عن بعض المبادرات النوعية التي ميزت دورات سابقة الكثير من التساؤلات، وعلى رأسها فكرة اعتماد “تيمة” أو موضوع خاص بالدورة، وهي التجربة التي أعطت في السابق للكرنفال بعدا فكريا ورسالة واضحة تتجاوز الفرجة نحو التأطير والتوعية. كما أن حذف مسابقة اللوحات الإبداعية شكل بدوره خسارة لمساحة مهمة كانت تشجع الشباب على الابتكار والتنافس الفني المرتبط بروح بيلماون وقضاياه المجتمعية والثقافية.
وما يزيد من حدة هذا النقاش هو أن هذا التراجع جاء رغم الإمكانيات والسيولة المالية التي توفرت لهذه الدورة، وهو ما كان من المفروض أن ينعكس إيجابا على تطوير المضامين الثقافية والفنية للكرنفال، لا التخلي عن بعض المبادرات التي أعطت في السابق قيمة مضافة حقيقية لهذا الحدث الثقافي الكبير.
ورغم كل هذه الملاحظات، يبقى الأمل قائما في أن تتحول هذه النقاشات إلى فرصة لإعادة التفكير الجماعي في مستقبل بيلماون، بما يضمن التوازن بين المحافظة على الهوية الأصيلة والانفتاح على التطوير والإبداع، حتى يظل هذا الكرنفال فضاءً حقيقيا لإبراز غنى الثقافة الأمازيغية المغربية وتثمين الموروث الشعبي بروح إبداعية تحافظ على الأصالة وتواكب في الآن نفسه روح العصر. فنجاح مثل هذه التظاهرات يبقى مسؤولية جماعية تستحق الدعم والتشجيع والتطوير المستمر حفاظا على مكانة بيلماون كأحد أبرز التعبيرات الثقافية الشعبية بالمغرب.
الموخ محمد
رئيس منظمة تامينوت فرع انزكان

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى