الرأيالمغرب اليوم

من معاهدة “سان كلو” إلى ميثاق الصداقة: المغرب يعيد كتابة قواعد اللعبة مع فرنسا

إن المسار الدبلوماسي الذي تخطه المملكة المغربية اليوم لا يتحرك بوحي الصدف العفوية بل يصاغعبر وعيٌ تراكمي عميق يستحضر الرمزية التاريخية لخدمة السيادة المعاصرة ويتجه نحو المستقبل بعيون هادئة لا تلتفت إلى الوراء. وكمثال ساطع على هذا النهج نجد هذا التحول الجيو-استراتيجي البارز في علاقاتنا مع باريس فنحن هنا لا نقرأ تفاصيل دبلوماسية عابرة بل نعيش فصلاً جديداً من فصول الندية الكاملة التي انتزعتها بلادنا بصبر وبراغماتية صارمة.

لقد لخصت قبة البرلمان بالرباط هذا المشهد التاريخي بامتياز فحينما استدعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إرث اتفاقية “لاسيل سان كلو” لعام 1955 مقترحاً إطارات استراتيجية تواكب سبعة عقود من التحولات فإنه يوقع في الحقيقة على اعتراف فرنسي علني بتآكل القواعد القديمة وزوال زمن الوصاية الناعمة إلى غير رجعة.

وما التأكيدات الأخيرة لوزير الخارجية الفرنسي من قلب الرباط إلا خطوة لوضع قطار هذه الشراكة على سكته النهائية

فالزيارة الملكية المرتقبة قبل متم السنة الجارية والتي ستشهد توقيع “ميثاق صداقة” — كما وصفته أغلبية الصحف الفرنسية — تعني باللغة السياسية الفصيحة الدخول الفعلي في مرحلة من تصفية إرث البلد المستقل المرتبط بفرنسا بروابط دائمة فيما سمي آنذاك بـ”الارتباط المتبادل الإرادي” في معاهدة سان كلو والانتقال نحو أفق تبادل المصالح الحيوية بين عاصمتين تدركان جيداً ثقل أهدافهما المشتركة، من خلال اتفاقيات استثنائية تبرمها باريس لأول مرة مع دولة من خارج النادي الأوروبي.

هذا التحول الجذري الذي يعيد صياغة موازين القوى في المنطقة سرعان ما أرخى بظلاله الثقيلة على الجوار مستنفراً الآلة الدعائية للنظام الجزائري التي سارعت إلى تسفيه الزيارة تارة واتهام الرباط بـ”الانتهازية السياسية” عبر استغلال المغرب الأزمة الفرنسية الجزائرية تارة أخرى غير أن هذا الضجيج الإعلامي لا يعدو أن يكون غطاءً يخفي قلقاً حقيقياً من اللحظة التي ستُفتح فيها الخزائن الفرنسية ويُرفع الستار عن الوثائق التاريخية والأرشيفية الكفيلة بإعادة ترتيب حقائق الجغرافيا والتاريخ في المنطقة.
إن هذا الارتباك الهستيري لدى نظام العسكر يثبت عجزاً بنيوياً عن استيعاب “فلسفة التاريخ.

الذي لا يصنع صدفاً عفوية بل يقدم رسائل ودروساً بليغة تتجسد في هذه التراتبية الرمزية لمسار العرش العلوي بين الجد والحفيد

فإذا كان الملك الراحل محمد الخامس قد قاد معركة الاستقلال السياسي الأول وتوَّجها باتفاقية إنهاء الحماية في “لاسيل سان كلو” فإن الملك محمد السادس يقود اليوم بنَفَس استراتيجي معركة تثبيت السيادة الشاملة وإنهاء التبعية الجيوسياسية والاقتصادية بمختلف أشكالها الموروثة متوجاً سبعين سنة من بناء الدولة والمؤسسات نجحت خلالها بلادنا في تغيير قواعد اللعبة بالكامل في شمال إفريقيا والقارة السمراء لتتحول من بلد يلملم جراح عهد الحماية إلى قوة إقليمية وازنة ورقم صعب لا يمكن تجاوزه في معادلات القرار الدولي بين ضفتي المتوسط.

وأمام هذا الصعود المغربي وجد صناع القرار في باريس أنفسهم مجبرين على إعادة قراءة تاريخهم المشترك مع بلادنا بنظارات الحاضر والموافقة على فتح الملفات الشائكة والحساسة، وعلى رأسها مخلفات الاقتطاعات الجغرافية والحدودية التي تعرضت لها الإمبراطورية الشريفة لصالح “الجزائر الفرنسية” آنذاك.

ومن هذا المنطلق لم يكن الاعتراف الفرنسي الصريح بمغربية الصحراء مجرد تنازل دبلوماسي بل يمثل خطوة أساسية في مسار تصحيح خطايا التاريخ والجغرافيا وهو ما يمنح المعاهدة الاستراتيجية المرتقبة طعم التحرر الحقيقي والانعتاق من أسر الماضي ومع اقتراب احتفالنا بأول عيد للوحدة يكتسي مفهوم الاستقلال الوطني لدينا أبعاداً أكثر عمقاً حيث لا يتوقف عند حدود الراية والنشيد بل يتجسد عملياً في فرض الاحترام المتبادل وانتزاع الاعتراف بالمصالح العليا وصياغة شراكات دولية على قاعدة الندية الصارمة التي تجعل من مغرب اليوم لاعباً يقود ولا يُقاد.

بقلم: يوسف غريب (كاتب صحفي)

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى