
تحقيق: أسواق الأكباش بالمغرب بين مطرقة الغلاء وسندان “الشناقة”.. هل بدأت الحرب الحقيقية على لصوص الأسعار؟
أكادير توداي – مع اقتراب كل موسم لعيد الأضحى، تتحول أسواق المواشي بالمغرب إلى فضاءات استثنائية تعج بالحركة والضجيج والمساومات. غير أن هذه الأسواق لم تعد مجرد نقاط لبيع وشراء الأضاحي، بل أصبحت في السنوات الأخيرة ساحة مواجهة مفتوحة بين الدولة والمضاربين، وبين القدرة الشرائية للأسر وشبكات الوسطاء المعروفة شعبياً بـ”الشناقة” و”الفراقشية”.
وفي موسم استثنائي يطغى عليه الجدل حول الأسعار والاحتكار، أعلنت السلطات المغربية دخول مرحلة جديدة من التشدد والمراقبة، فيما وصفه مواطنون بـ”الحرب الحقيقية” ضد من يسمون “لصوص الأسعار”، خاصة بعد تسجيل توقيفات واعتقالات داخل بعض الأسواق.
من سوق الأكباش إلى سوق المضاربات
في الساعات الأولى من الصباح، تبدو أسواق المواشي المغربية كمشهد متكرر: شاحنات محملة بالأغنام، كسابة قادمون من البوادي والجبال، وأسر تتنقل بحثاً عن أضحية تناسب قدرتها المالية. لكن خلف هذه الصورة التقليدية، نشأت خلال السنوات الأخيرة منظومة موازية تتحكم في جزء مهم من مسار البيع.
فبين المنتج والمستهلك النهائي، ظهر عدد متزايد من الوسطاء الذين لا يملكون قطعاناً ولا يمارسون تربية المواشي، بل يعتمدون على شراء الأغنام وإعادة بيعها بعد ساعات أو أيام بأثمان أعلى.
ويطلق المغاربة على هؤلاء أسماء متعددة: “الشناقة” أو “الفراقشية”، وهي فئة أصبحت محور غضب شعبي متزايد بسبب اتهامها بالمساهمة في رفع الأسعار بشكل مصطنع.
يقول أحد مرتادي أسواق المواشي: “المشكل لم يعد في الكساب، بل في كثرة الأيادي التي تمر منها الأضحية قبل أن تصل للمواطن.”
كيف يشتغل “الفراقشي”؟
داخل السوق، لا يحتاج المضارب إلى مزرعة أو رأس مال ضخم. يكفي أن يقتني عدداً من رؤوس الأغنام عند ساعات الصباح الأولى، ثم يعيد عرضها بعد فترة قصيرة بسعر أعلى، مستفيداً من ارتفاع الطلب واقتراب موعد العيد.
في بعض الحالات، تتحدث شهادات متطابقة عن تنسيق غير معلن بين وسطاء لإعادة تدوير نفس الرؤوس بين عدة أيادٍ داخل السوق نفسه، ما يخلق انطباعاً بارتفاع الأسعار وندرة العرض.
ويرى متابعون أن تعدد الوسطاء بات يشكل أحد أبرز اختلالات سلسلة التوزيع، حيث تتحول الأضحية من منتج فلاحي إلى سلعة تخضع لمنطق المضاربة الموسمية.
الحكومة تدخل على الخط: “لا مكان للشناقة”
أمام تصاعد الغضب الشعبي، أعلنت الحكومة المغربية عن إجراءات غير مسبوقة لضبط أسواق الأضاحي.
وتضمنت الإجراءات:
- حصر البيع داخل الأسواق المرخص لها قانونياً.
- إلزام البائعين بالتصريح بهوياتهم ومصدر المواشي.
- منع شراء الأضاحي بغرض إعادة بيعها داخل الأسواق.
- تكثيف لجان المراقبة.
- فرض عقوبات وغرامات وحجز الأضاحي في حالات المخالفة.
- إغلاق نقاط البيع غير القانونية.
وتسعى هذه الإجراءات إلى كسر حلقات المضاربة وتقليص عدد الوسطاء بين الكساب والمستهلك.
ويرى مراقبون أن نجاح الخطة لن يقاس بالإعلانات الرسمية فقط، بل بقدرتها على فرض سلطة القانون داخل الأسواق الشعبية التي ظلت لعقود تشتغل بمنطق الأعراف والممارسات غير المنظمة.
فاس ترسل أولى الرسائل
في مدينة فاس، بدأ أن الحملة الميدانية انتقلت من مستوى التصريحات إلى التنفيذ.
فقد أوقفت مصالح الأمن، صباح الأربعاء 20 ماي 2026، خمسة أشخاص داخل سوق للمواشي بمنطقة بنسودة، للاشتباه في تورطهم في ممارسات مرتبطة بالمضاربة في أضاحي العيد. وتشير المعطيات الأولية إلى أن الموقوفين كانوا يقتنون الأغنام ثم يعيدون بيعها خارج المسار المعتاد بأسعار مرتفعة.
ورغم أن الأمر لا يزال في مرحلة الاشتباه إلى حين انتهاء الأبحاث القضائية، إلا أن العملية حملت رسائل قوية إلى المتدخلين في الأسواق. فبالنسبة للسلطات، لم يعد الأمر مجرد مخالفة بسيطة، بل سلوك قد يهدد توازن السوق والقدرة الشرائية للأسر.
المواطن بين نار الأسعار والخوف من تكرار السيناريو
في عدد من الأسواق، يشتكي مواطنون من ارتفاعات غير مبررة في الأسعار، ومن صعوبة التمييز بين الكساب الحقيقي والوسيط..يقول رب أسرة كان يتجول بأحد أسواق المواشي: “كلما سألت عن ثمن خروف وجدت سعراً مختلفاً، والكل يقول إن السوق غالٍ.”
هذا الارتباك في الأسعار خلق حالة من الشك لدى المستهلكين، خاصة مع تداول روايات عن تدخل وسطاء متعددين في نفس العملية التجارية.
ويرى خبراء أن المشكلة لا ترتبط فقط بموسم عيد الأضحى، بل ببنية التسويق الفلاحي بالمغرب ككل، حيث يسمح تعدد الوسطاء بخلق هوامش ربح كبيرة على حساب المستهلك.
وزارة الداخلية: إصلاح أعمق في الأفق
في خضم الجدل، أعلنت وزارة الداخلية عن إعداد مشروع قانون لتنظيم أسواق الجملة، في محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المنتج والمشتري.
ويقوم التصور الجديد على نموذج أكثر وضوحاً، يهدف إلى تقليص عدد الوسطاء والاكتفاء بحلقة واحدة داخل سلسلة التوزيع، على غرار نماذج معمول بها دولياً.
ويرى متابعون أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على الحملات الموسمية، بل يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التسويق.
معركة الأسواق.. هل تنتهي؟
رغم الترحيب الشعبي الواسع بالحملة ضد “الفراقشية”، يظل السؤال مطروحاً: هل تكفي الاعتقالات والمراقبة وحدها لضبط السوق؟
تجارب السنوات السابقة أظهرت أن المضاربة تتكيف بسرعة مع الإجراءات الظرفية، وأن شبكات الوسطاء غالباً ما تجد طرقاً جديدة للعودة.
لكن ما يبدو مختلفاً هذا الموسم هو انتقال الدولة من منطق المتابعة إلى منطق التدخل المباشر داخل الأسواق.
ويبقى الرهان الحقيقي هو أن يشعر المواطن بأن الأضحية تصل إليه بثمن يعكس قيمتها الحقيقية، لا ثمن سلسلة طويلة من الوسطاء والمضاربين.
ففي النهاية، ليست المعركة ضد “الفراقشية” فقط، بل ضد اقتصاد الظل الذي ظل لسنوات يتغذى من مواسم المغاربة وأعيادهم.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News






