
إسرائيل والأمازيغية والعربية..
- الحسين بويعقوبي //
كثر الحديث مؤخرا عن علاقة إسرائيل بالأمازيغية (وسأضيف له أيضا وبالعربية) لأن جمع اللغتان في هذا الموضوع قد يفيد لرفع اللبس. ومرد عودة هذا النقاش/البوليميك انتشار نص مطول على مواقع التواصل الاجتماعي مليء بمعطيات وأسماء معاهد وباحثين وأرقام، يسعى ليؤكد اهتمام إسرائيل بالأمازيغية، واعتمادها عليها باعتبارها إحدى أدوات اختراق المجتمع المغربي، في أفق تمزيقه، كما اعتمد على سرد كرونولوجي للأحداث، بشكل يوهم القارئ أن المقال علمي ورصين لأنه “موثق”. لكن في الوقت نفسه لا يقدم أي مصدر موثوق لمعلوماته، ولا أي مرجع يمكن العودة إليه، مما يجعل منه نصا بدون قيمة، ولا يستبعد أن يؤثر في بعض الفئات التي لا تمتلك مناعة ضد هذا النوع من النصوص المضللة.
ومساهمة في تنوير الرأي العام بخصوص هذا الموضوع لابأس أن نجمع اللغتين الأمازيغية والعربية في الآن نفسه، لأن الجمع بينهما قد يغير منظور القارئ، خاصة وأن المقال المقصود يضع الأمازيغية في خانة “المتهم”، ويلصق بها كل “المساوئ” وبالسكوت عن العربية، يجعلها في خانة “البريء”. ويرتبط بها كل ما هو “جميل” بل و”مقدس”. ولهذا التمثل أصول وجذور، بعضها يعود للتاريخ القديم، وبعضها تعود فقط للثلاثينات من القرن الماضي حين بدأ مسلسل “شيطنة الأمازيغية”.
لا بأس أن نذكر مجددا بأن اهتمام الغرب بالعربية والإسلام قديم جدا، وقدم لهما خدمات جليلة بحثا ودراسة وتطويرا للغة العربية. وكان للعربية مكان في معهد اللغات الشرقية بفرنسا مند 1795، ولم تلجه اللغة الأمازيغية إلا سنة 1913.واستمر اهتمام الغرب بالعربية والإسلام إلى اليوم واهتمت بهما الجامعات والمعاهد، ومولت فيهما المشاريع البحثية، وظهر في الغرب متخصصون في الإسلام والعربية، ولا زال الأمر كذلك إلى اليوم، وتعزز بتأسيس “معهد العالم العربي”، وهو استمرار للسياسة العربية والإسلامية لفرنسا منذ أن أطلقها نابوليون الثالث بطرحه لمشروع “المملكة العربية” من الجزائر إلى دمشق. أما الأمازيغية فلم تحظ إلا بالنزر القليل أمام ما أعطي للعربية.
وعودة لإسرائيل فلا بأس من التذكير أن اللغة العربية من لغاتها الرسمية، وتهتم بها وتدرسها، وهناك عرب إسرائيليون، و منهم برلمانيون ومسؤولون في عدة مناصب. وكل هذا لا يطرح أي إشكال للبعض، كما أن آلاف المغاربة من مشارب مختلفة يزورون سنويا إسرائيل، ولا أحد بحث عن لغتهم ولا انتماءاتهم السياسية والايديولوجية، ليستعملها ضدهم في صراعه الايديولوجي. أما بالنسبة للأمازيغية، فأكيد أن هناك من يهتم بها في إسرائيل، كما يهتمون بالعربية، وبعض الفاعلين في مجال الأمازيغية قاموا علانية بزيارة إسرائيل، ونشروا ذلك في الإعلام، ولهم في ذلك مبرراتهم، التي يعبرون عنها بدون حرج.
وبحكم تجربتي المتواضعة في العمل الجمعوي الأمازيغي، ومن منصب المسؤولية، في إحدى أكبر الجمعيات الأمازيغية، فلم أسمع قط عن دعم إسرائيلي لأي نشاط ثقافي أمازيغي، وبالتالي فالمطالب الأمازيغية مطالب عادلة ومشروعة، دعمها يأتي من مؤسسات الدولة ومن مساهمات المناضلين، وهي شأن داخلي للمغرب، يدبره بكثير من التعقل والحوار والتدافع السياسي، ومن خلاله يؤسس لنموذجه المغربي في العدالة اللغوية والثقافية والمجالية. وأي محاولة للربط بين إسرائيل والأمازيغية (دون الحديث عن العربية)، هو استمرار لمسلسل “شيطنة الأمازيغية” بدل الدفع بمسلسل الاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية إلى الأمام، والضغط للإسراع في تفعيل مضمون الدستور ومقتضيات القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. ما عدى ذلك، فهو تضليل للرأي العام.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



