الرأيالعالم اليوم

العلبة السوداء لدمشق ترعب جنيرالات الجزائر

ليس غريباً أن تعود بعض الوجوه المألوفة في بروباغندا الجار الشرقي إلى الواجهة كلما اشتدت الأزمات في قصر المرادية، لكن الغريب هو هذا التوقيت المرتبك والسياق السريالي الذي أطل فيه من يوصف في الأوساط الإعلامية بـ “الفم الثاني ” لجنرالات الجزائر وقف الرجل أمام غابة من الميكروفونات الملونة، ليعيد اجترار نفس الأسطوانة المشروخة حول “بيع القضية الصحراوية في سوق النخاسة”. غير أن “المفارقة المضحكة المبكية” في هذا الظهور هي أن سيادته وفي نفس اللقاء الإعلامي أعلن بدم بارد أنه مغادر صوب مستشفيات الخارج للعلاج، بدعوى “الإيثار” وترك المستشفيات المحلية للمواطنين البسطاء؛ وهي المفارقة التي تلخص لوحدها الفجوة العميق بين خطابات نظام يدعي امتلاك “أفضل منظومة صحية في إفريقيا” وبين واقع يفر فيه نخبته عند أول وعكة صحية.
لكن، وفي لغة السياسة الواقعية، لا مكان للمصادفات أو لـ “صحوة الضمير” المفاجئة. هذا الخروج الإعلامي العاصف ليس سوى “قنبلة دخانية” وراءها زلزال دبلوماسي صامت كسر توازنات المنطقة. نحن نتحدث هنا عن خطوة إعادة فتح السفارة السورية في الرباط؛ وهي الخطوة التي نزلت كالصاعقة على صانع القرار في الجزائر. لسنوات طويلة، اعتقد النظام الجزائري أنه يحتكر الورقة السورية والتموقع ضمن محور دمشق-طهران، ليأتي هذا التقارب المغربي السوري ويثبت أن لغة المصالح والاستقرار والاستدامة الاقتصادية التي تمثلها الرباط هي التي تنتصر في النهاية، تاركة المقاربة الجزائرية في عزلة خانقة.
والحقيقة التي يحاول هذا الصراخ التغطية عليها هي “رعب المستندات” حيث تتواتر التقارير التي تفيد بأن التقارب (الرباط – دمشق) قد يفتح الصندوق الأسود لملفات حارقة، من بينها وثائق وأدلة توثق لتورط عناصر وميليشيات محسوبة على النظام والبوليساريو في عمليات دعم عسكري وميداني سابق لقمع الشعب السوري تحت يافطة “تبادل الخبرات”.
اليوم، يدرك العسكر في الجزائر أن هذه الملفات قد تتحول في يد الدبلوماسية المغربية الهادئة والمتبصرة إلى أوراق ضغط قانونية وحقوقية دولية تكشف زيف شعارات “تقرير المصير” التي يتاجر بها النظام
هذا الارتباك يمتد أيضاً إلى القلق الدولي المتزايد من “المثلث المريب” في تندوف حيث لم يعد خافياً على الأجهزة الدولية حجم التغلغل الإيراني وتورط عناصر الحرس الثوري وحزب الله في تدريب الميليشيات على حرب المسيرات والتكتيكات الانتحارية. وبدلاً من مواجهة هذه الحقائق المقلقة يفضل “الفم الثاني ” للنظام رمي المغرب بتهم التحالفات الخارجية في عملية إسقاط سياسي مكشوفة للتغطية على من يفتح أبواب شمال إفريقيا لأجندات التخريب وزعزعة الاستقرار.
إن استدعاء “الملف الصحراوي” في هذا التوقيت بالذات ومن طرف شخصية تستعد لحزم حقائبها نحو مصحات أوروبا يؤكد أن رائحة الانتحار الدبلوماسي في دمشق كانت أقوى من أن تحجبها ميكروفونات البروباغندا.
وإذا كان صاحبنا قد صدم الرأي العام بالجزائر يوماً بمقولته الشهيرة بأن ( الشية /التملق والتوجيه شعبة من شعب الإيمان)
وعلى ما يبدو فهو في هذه الإطلالة الأخيرة لم يكن يمارس عملاً إعلامياً أو سياسياً بل كان يؤدّي شعيرة تعبّدية في محراب أولياء نعمته بقصر المرادية، عساه يظفر بـ (صك الغفران) والرضا قبل الإقلاع.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى