
اختبار الثقة المؤجل بين الدولة والمجتمع..
- الحسين أبليح //
أكادير توداي – على مرمى حجر من استحقاقات سبتمبر 2026، وفي سياق يتسم بإعادة تشكيل المشهد الحزبي بالمغرب، وبارتفاع منسوب الانتظارات الاجتماعية، وتزايد التساؤلات حول فعالية الوساطة السياسية، فإننا نميل مبدئيا إلى ترجيح “فرضية” كون الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لن تشكل مجرد منافسة حزبية عادية، بل ستكون اختبارا حقيقيا لمدى مصداقية النسق السياسي برمته.
ولأن المسافة الضرورية لم تتوافر بعد، فإن الانتصار لسيناريو تحليلي لوقائع المشهد السياسي عشية وغداة سبتمبر 2026، بعيد كل البعد أن يكون ضربة لازب في تكوين رؤية سياسية أو حتى، في أحسن الأحوال، بلورة خطاب سياسي بمكنته تمكين الفاعل السياسي من فهم المشهد السياسي بعد تجربة 2021-2026.
ثمة عدة سيناريوهات محتملة لسنة 2026، من بينها استمرار الخريطة السياسية الحالية مع إعادة ترتيب موازين القوى، أو صعود فاعل سياسي جديد قادر على توحيد جزء مهم من الناخبين، أو حتى الوصول إلى حالة من الانسداد السياسي في حال عدم إفراز أغلبية واضحة ومتجانسة.
فهب أن الأغلبية الحالية ستستمر بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، – وليكن هذا السيناريو الأول – مع احتمال حدوث توازنات جديدة داخل مكونات الأغلبية نفسها. فإلى ماذا يستند هذا الاحتمال؟. لنفكك سريعا العوامل البنيوية التي ترجح كفة هذا السيناريو:
ظلت لعنة غياب معارضة قوية ومنظمة، الثابت غير المتحول في المشهد السياسي المغربي طيلة الخمس سنوات الأخيرة، إن لم نضرب عميقا في الأرض السياسية القاحلة لتعود جينيالوجيا اللعنة إلى ما قبل التناوب الديمقراطي.
كما أنه من نافل القول أن غياب المعارضة اقترن باستمرار تشتت الحقل الحزبي، في مقابل بحبوحة أغلبية استطاعت تعبئة موارد تنظيمية وترابية ومؤسساتية مهمة.
ولأن النظام السياسي المغربي دأب تاريخيا على تفضيل منطق الاستمرارية بدل القطيعة الحادة، حفاظا على الاستقرار المؤسساتي في محيط إقليمي يتسم بعدم الاستقرار، فقد تفرز انتخابات 2026 أغلبية مشابهة لتلك التي أفرزتها انتخابات 2021، لكن مع تراجع نسبي لبعض مكونات التحالف الحكومي وصعود حساسيات اجتماعية أو تكنوقراطية جديدة.
غير أن فرضية الاستمرارية هذه تصطدم بتنامي حالة التذمر الاجتماعي. فارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار بطالة الشباب حاملي الشهادات، وتفاقم الأزمة المائية، والإحساس بتزايد الفوارق المجالية، كلها عوامل تغذي حالة متنامية من فقدان الثقة في الأحزاب دونما تمييز بينها سواء التقليدية أو المحدثة.
أزمة الثقة هذه، يغذيها بالأساس شعور فئات واسعة بأن الفوارق الإيديولوجية بين الأحزاب المعروفة في الأدبيات السياسية بالأحزاب الوطنية، أصبحت محدودة وغير واضحة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في بروز فاعل سياسي جديد قادر على استقطاب جزء من الناخبين عبر خطاب يقوم على التجديد والتغيير. ولا يعني ذلك بالضرورة ظهور حزب جديد بالمعنى التقليدي، بل قد يتعلق بصعود شخصية سياسية أو تيار أو تحالف قادر على تقديم نفسه كبديل ذي مصداقية للنخب السياسية التقليدية.
يعضد هذا السيناريو، معطى تراجع الإيديولوجيات في المشهد السياسي المغربي، حيث فقدت الانقسامات التقليدية بين اليسار واليمين أو بين الإسلاميين وغيرهم جزءا كبيرا من قدرتها على التعبئة. وفي ظل هذا الفراغ النسبي، قد يتمكن أي فاعل سياسي قادر على الربط بين العدالة الاجتماعية والفعالية الاقتصادية والقرب من انشغالات المواطنين اليومية من اكتساب مساحة سياسية مهمة.
غير أن هذا الاحتمال يبقى بدوره رهينا بعدة قيود بنيوية. فمن جهة، لا يزال النظام الحزبي المغربي يعاني من التشتت، مما يصعب بروز قوة سياسية مهيمنة في وقت قصير. ومن جهة أخرى، أظهرت التجارب السابقة أن الرهانات المبنية على الشخصنة السياسية قد تحقق نجاحات ظرفية دون أن تؤدي إلى إعادة تشكيل دائمة للتوازنات المؤسساتية.
ويشكل نموذج تجربة العدالة والتنمية مثالا واضحا على ذلك، بعدما انتقل الحزب خلال عقد واحد من صعود انتخابي قوي إلى تراجع حاد في انتخابات 2021، وهو ما يعكس هشاشة الديناميات المبنية أساسا على الزعامة أو الظرفية السياسية.
أما السيناريو الثالث، والذي يمكن اعتباره الأكثر إثارة للقلق، فيتمثل في احتمال حدوث احتباس سياسي نتيجة عجز الأحزاب عن تشكيل أغلبية منسجمة ومستقرة. ففي هذه الحالة، قد تفرز الانتخابات برلمانا مشتتا لا يوفر أي كتلة قادرة على ضمان استقرار حكومي فعلي.
وقد يقود ذلك إلى مفاوضات طويلة، وتحالفات ظرفية تفتقر إلى الانسجام البرنامجي، أو إلى حالة من عدم الاستقرار الحكومي المزمن. وتشير عدة تحليلات إلى أن الإشكال الأساسي في النسق الحزبي المغربي لا يكمن فقط في كثرة الأحزاب، بل أيضا في ضعف المشاريع السياسية القادرة على تأطير النقاش العمومي بشكل واضح ومستدام.
من ثم، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيقود الحكومة بعد 2026، بل بمدى قدرة الأحزاب السياسية المغربية على تجاوز منطق التحالفات الظرفية المبنية على الحسابات الانتخابية الضيقة.
فمنذ سنوات، تبدو التحالفات الحكومية أقرب إلى توازنات تكتيكية منها إلى تحالفات قائمة على تقاطعات إيديولوجية أو برامجية واضحة، وهو ما ساهم في تشويش صورة العرض السياسي وتعزيز شعور جزء من الرأي العام بأن الأحزاب أصبحت متشابهة وقابلة للاستبدال.
وفي الديمقراطيات المعاصرة، لا تقوم الاستمرارية السياسية فقط على قوة المؤسسات، بل كذلك على وجود وسائط حزبية ذات مصداقية قادرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى مشاريع جماعية واضحة. ولذلك، فإن الرهان الأساسي بالنسبة للمغرب في أفق 2026 يتمثل في إعادة بناء الثقة السياسية.
وهذا يقتضي وجود أحزاب قادرة على بلورة رؤى استراتيجية بعيدة المدى حول القضايا الكبرى، مثل النموذج التنموي، والعدالة المجالية، والحماية الاجتماعية، والانتقال البيئي، وتشغيل الشباب، وإصلاح التعليم.
وفي غياب ذلك، فإن الخطر الذي نحذر منه يتمثل في تعميق حالة العزوف السياسي، واتساع الفجوة بين المؤسسات والمواطنين، واستمرار نظام حكامة يعاني من الهشاشة وضعف الثقة الشعبية.
فهل نكون قد أصبنا إذ نرجح أن يكون مفتاح المرحلة المقبلة رهين بقدرة الأحزاب على تجاوز منطق التحالفات الظرفية نحو بناء مشروع سياسي حقيقي وواضح المعالم.
بدون ذلك، سيظل خطر استمرار عدم الاستقرار السياسي وتنامي فقدان الثقة في العمل السياسي قائما بقوة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



