الثقافة

وجوه في الواجهة: سعيد أوبرايم… عدسة توثّق الذاكرة وتقاوم النسيان

أكادير اليوم – في زمنٍ تتسارع فيه الصور وتُستهلك بسرعة، يختار الفنان الفوتوغرافي سعيد أوبرايم أن يمنح للصورة معنى آخر: أن تكون ذاكرةً حية، وأداةً للفهم، وشكلاً من أشكال الالتزام الثقافي. من أكادير، حيث يقيم ويشتغل، راكم هذا الفنان مساراً بصرياً متفرداً، يجمع بين الحس الجمالي والبعد الأنثروبولوجي، ليصنع لنفسه موقعاً مميزاً داخل المشهد الفوتوغرافي المغربي والدولي.

وُلد سعيد أوبرايم سنة 1957، وهو أستاذ لمادة علوم الحياة والأرض، غير أن شغفه بالصورة قاده إلى استكشاف مجالات أوسع، حيث تحولت الكاميرا إلى وسيلته لقراءة العالم. وقد شكلت إقامته الفنية بالمدينة الدولية للفنون بباريس سنة 1998 محطة مفصلية في مساره، إذ فتحت أمامه آفاقاً جديدة، دون أن يقطع صلته بجذوره الأمازيغية ومجاله السوسي.

الجنوب كما لم يُرَ من قبل

في أعماله، لا يقدّم أوبرايم الجنوب المغربي كفضاء سياحي تقليدي، بل كعالم غني بالتفاصيل الإنسانية. من خلال مشروعه “Le Sud Insolite”، يشتغل على إبراز جماليات الحياة اليومية في المناطق المهمشة، كاشفاً عن عمق التجارب الإنسانية التي تعيشها ساكنة هذه المناطق.

أما في سلسلة “آخر الرحل بإملشيل”، فينقل الفنان تحولات نمط العيش لدى القبائل الأمازيغية، مسلطاً الضوء على التحديات التي تواجهها هذه الفئات، خاصة مع تزايد الهجرة نحو المدن. هنا، تتحول الصورة إلى شهادة بصرية على زمن آخذ في التلاشي.

التراث في قلب العدسة

يشكّل التراث أحد المحاور المركزية في تجربة أوبرايم، خصوصاً من خلال اشتغاله على “الإيكودار” أو المخازن الجماعية، التي تُعد رمزاً للذاكرة الجماعية بالأطلس الصغير والكبير. في هذا السياق، لا يكتفي الفنان بالتوثيق، بل يساهم في إعادة الاعتبار لهذا الموروث المعماري، باعتباره جزءاً من الهوية الأمازيغية.

كما يبرز البعد الإنساني في أعماله من خلال اهتمامه بالأطفال في المناطق الجبلية، حيث توثق صوره تفاصيل الحياة اليومية لهذه الفئة، في سياق يعكس الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بالعدالة المجالية.

من المحلي إلى الكوني

لم تقتصر تجربة أوبرايم على المغرب، بل امتدت إلى عدد من الدول، من بينها الصين، التبت، نيبال، الهند وتركيا. في مشروعه “Un thé au Tibet”، يتجاوز الفنان حدود الجغرافيا ليبحث عن القواسم المشتركة بين الثقافات، مقدماً رؤية إنسانية عابرة للحدود.

اعتراف دولي ومسار حافل

حصد الفنان سعيد أوبرايم العديد من الجوائز الدولية، وشاركت أعماله في عشرات المعارض عبر مختلف القارات، ما يعكس القيمة الفنية لأعماله ومكانته داخل الساحة الفوتوغرافية العالمية.

وجدة… محطة جديدة في مسار الالتزام

في أحدث محطاته، حلّ الفنان بمدينة وجدة للمشاركة في الأيام الفوتوغرافية للتراث الثقافي، حيث قدّم عرضاً حول المخازن الجماعية كنموذج للتراث المغربي. هذه المشاركة تأتي في سياق مشروعه المستمر للدفاع عن الذاكرة التراثية لجهة سوس ماسة، وتعزيز حضورها في النقاش الثقافي الوطني.

الصورة كفعل مقاومة

تجربة سعيد أوبرايم تؤكد أن الفوتوغرافيا ليست مجرد ممارسة فنية، بل يمكن أن تكون أيضاً فعلاً ثقافياً ونضالياً. من خلال عدسته، تتحول الصورة إلى وسيلة لتوثيق الذاكرة، وطرح الأسئلة، ومقاومة النسيان.

إنه مصوّر لا يلتقط الصور فقط، بل يصنع المعنى.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى