الثقافةالرأي

شهرزاد إنزكان.. تروى ماتبقّى من المدينة

أكادير اليوم – حين صعدتُ إلى المنصة كواحد من الذين بصموا ذاكرة مقهى شهرزاد لم أكن أحمل حقيبة ذكريات حنين عن تلك الفترة بل كنت أحمل إنزكان كما عرفتها:
مدينة كانت تفكر.. تُجادل.. وتُنتج المعنى.. لذلك تعمّدت ان لا أكون لم صوتًا إضافيًا في أمسية عابرة بل كنت صوتًا يرفض أن يُختزل في حنين مريح أو يُؤطَّر داخل سردية جاهزة تُجمّل الماضي وتُبرّئ الحاضر…

فإنزكان التي أعرفها ليست تلك التي تُعرض اليوم كـ“سوق كبير”
ليست تلك التي تُختنق فيها القيم بين السلع ويُقاس فيها الإنسان بما يشتري ويبيع. إنزكان التي عشتها كانت فضاءً للنقاش مختبرًا للأسئلة الصعبة ومجالًا لصناعة الوعي.
كانت مدينة تُربّي مواطنيها… لا مجرد نقطة عبور للاستهلاك.

ما قلته في تلك الأمسية لم يكن مجازًا بل تشخيصًا:
هذه المدينة سُرقت لا بجرافة ولا بقرار إداري فجّ بل بعملية أخطر من ذلك عبر إعادة تشكيل وعي الناس ليقبلوا أن مدينتهم ليست سوى سوق، فذلك هو العنف في صيغته الأكثر خبثًا.

في أمسية “شهرزاد” البارحة لم أرَ فقط الحضور رأيت الغائبين أيضًا…
رأيت ظلال النقاشات القديمة وهي تتسلل بين الطاولات وسمعت صدى أسئلة لم تجد جوابها بعد.
هي نفس الأسئلة التي جعلتني حتى اليوم اعتبر أن التذكر وحده لا يكفي.
فالذاكرة ليست حنينًا…
الذاكرة موقف.

شهرزاد إنزكان.. تروى ماتبقّى من المدينة - AgadirToday

فلم أساوم على الكلمات ولم أُجمّل الماضي ولم أُلطّف الحاضر. قلت بوضوح:
إنزكان لم تفقد روحها صدفة بل جرى دفعها إلى ذلك.
والسوق لم يتمدد فقط في الجغرافيا بل تسلل إلى العقول أيضًا.

واللافت في هذا السياق لم يكن فقط مضمون اللقاء بل أيضًا ما أحاط به من غياب مؤسساتي.
غياب لا يمكن اختزاله في مجرد عدم حضور، بل في دلالة أعمق على موقع الثقافة والذاكرة داخل سلم الأولويات. وكأن الفعل الرمزي للمدينة لا يزال يُنظر إليه كمسألة هامشية، لا كجزء من بنية المدينة نفسها.

حتى الفضاء الذي احتضن اللقاء، بحدوده الدنيا من التجهيز، لم يكن مجرد تفصيل تقني، بل علامة إضافية على هذا التوتر بين المدينة كما تُمارَس اقتصاديًا، وبينها كما
يمكن أن تُفكَّر ثقافيًا ورمزيًا.
وهي مفارقة قاسية :
مدينة تختزل نفسها في السوق وتعجز عن توفير فضاء محترم يليق بذاكرتها.

وهنا، لا يصبح التفصيل تفصيلًا. حين تُدفع الذاكرة إلى الهامش مكانيًا، فهي تُدفع إليه سياسيًا ورمزيًا.
وحين يُترك الفعل الثقافي في أدنى درجاته كما هو حال الأمس فذلك ليس إهمالًا بريئًا بل تعبير دقيق عن ترتيب الأولويات لدى أصحاب القرار بالمدينة و علامة إضافية على هذا التوتر بين المدينة كما تُمارَس اقتصاديًا وبينها كما يمكن أن تُفكَّر ثقافيًا ورمزيًا.

ومع ذلك…
وربما بسبب ذلك اكتسب اللقاء معناه الحقيقي لأن ما حدث لم يكن نشاطًا ثقافيًا عاديًا بل شكلًا من أشكال التعبيرات الهادئة جاءت لتؤكد للعابرين بهذه المدينة بأن المعنى لا يحتاج دائما إلى قاعات فخمة كي يقال ويسمع
بهذا المعنى
لم يكن اللقاء احتفالاً بل اختبارًا صغيرًا لفكرة أكبر:
هل ما زالت المدينة قادرة على أن تتذكّر نفسها خارج منطق السوق؟

وهو نفس المعنى الذي لم يكن صدفة لدى الإخوة ب “مركز واد سوس” في اختيارهم لذاكرة مقهى شهر زاد كذاكرة مكان لتاريخ المدينة بل هو وعي متقدّم ومستوعب بشكل نبيه لطبيعة معركة اليوم بالمدينة لا حول الاقتصاد أو المجال بل حول المعنى نفسه:
كيف نرى المدينة وكيف نُعرّفها؟
لأن ما يجري اليوم ليس خلافًا حول التنمية أو الاقتصاد فقط بل حول شيء أعمق:
من يملك حق تعريف المدينة ومن يملك حق روايتها.
وإنزكان، في هذه اللحظة ليست مجرد مدينة… بل حكاية لا يريد أحد أن تُروى بهذا الشكل
لهذا جئنا.

ليس لنبك إنزكان…
بل لنمنع دفنها.
مردّدين وبأعلى صوت :
لن تُسرق هذه المدينة مرتين…
مرة حين تغيّرت بوصلتها
ومرة حين نصمت عن ذلك

  • يوسف غريب كاتب صحفي
          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى