الثقافة

مسرحية “تاوتمت – الأنثى”: صراع الرموز وسؤال الهوية في عرض مسرحي أمازيغي معاصر

  • مصطفى السبتي //

في عرض مسرحي مميز احتضنه فضاء أكورا، قدم المخرج جمال تاعمرت عملاً فنياً يحمل عنوان “تاوتمت – الأنثى”، بمشاركة ثلة من الفنانين، من بينهم فيصل الريالي، عبدالله بوكرن، والفنانة ثورية بوهالي، حيث استطاع العرض أن يلامس قضايا اجتماعية وإنسانية عميقة بلغة فنية أمازيغية أصيلة.

تدور أحداث المسرحية حول نادلة في مقهى، تجد نفسها في قلب صراع رمزي بين شخصيتين متناقضتين: “أومليل” (الأبيض) و”أسكان” (الأسود)، حيث يسعى كل منهما لاستمالة قلب الأنثى. غير أن هذا الصراع لا يقف عند حدود التنافس العاطفي، بل يتحول إلى مرآة تعكس جدلية العلاقة بين الذكر والأنثى، وما يرافقها من توترات وتقاطعات في الحياة اليومية.

اعتمدت المسرحية على أسلوب اللوحات المتتابعة، التي ترصد تفاصيل المعيش اليومي بين الرجل والمرأة، مقدمة رؤية سوسيولوجية دقيقة للعلاقات الإنسانية داخل المجتمع. كما تميز العمل بطرح موضوع الهجرة باعتبارها أحد أبرز الهواجس المعاصرة، حيث تتدرج الأحداث من رفض التأشيرة إلى خوض تجربة الهجرة غير الشرعية، مروراً بنظرة الآخر للمهاجر، خاصة المنحدر من أصول إفريقية، وصولاً إلى قناعة العودة إلى الوطن كخيار لبناء الذات وتحقيق الكرامة.

ومن زاوية ميتافيزيقية، يوظف العرض ثنائية الأبيض والأسود كرمزين يتجاوزان اللون إلى دلالات أعمق تتعلق بالهوية والاختلاف، والصراع بين القيم المتباينة داخل الفرد والمجتمع. كما سلطت المسرحية الضوء على النظرة المجتمعية للمرأة العاملة، من خلال شخصية النادلة التي تمثل نموذجاً للمرأة المكافحة في مواجهة الأحكام المسبقة.

العمل قُدم باللغة الأمازيغية – تاشلحيت، ما أضفى عليه بعداً ثقافياً أصيلاً، وساهم في تعزيز حضور المسرح الأمازيغي كوسيط للتعبير عن قضايا المجتمع. وعلى مستوى السينوغرافيا، استفاد العرض من خصوصية فضاء أكورا، الذي أتاح قرباً كبيراً بين الممثلين والجمهور، مما عزز من التفاعل الحي مع مجريات العرض.

كما اعتمدت المسرحية على تقنية كسر الجدار الرابع، حيث تم إشراك الجمهور في عدد من المشاهد، ما خلق دينامية تواصلية وجعل المتلقي جزءاً من التجربة المسرحية، لا مجرد متفرج.

وقد اختُتم العرض كما بدأ، بالتأكيد على أن موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الأبيض والأسود، سيظل حاضراً في النقاش اليومي، باعتباره سؤالاً مفتوحاً يعكس تعقيدات الواقع الإنساني.

في النهاية، لقيت المسرحية استحسان الحاضرين، الذين تفاعلوا مع مضامينها الجريئة وأسلوبها الفني المبتكر، لتؤكد “تاوتمت – الأنثى” مرة أخرى أن المسرح يظل فضاءً حيوياً لطرح الأسئلة الكبرى ومساءلة الواقع.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى