
عبد الله زاكور ومقاومة الأطلس الصغير الغربي: ” انتهى السلاح انتهى الكلام”..
أكادير اليوم: الحسن باكريم / تافراوت //
مقدمة
شكّلت مناطق الجنوب المغربي، ولاسيما الأطلس الصغير الغربي، فضاءً حيويًا للمقاومة المسلحة ضد التغلغل الاستعماري الفرنسي خلال النصف الأول من القرن العشرين. وفي هذا السياق، برزت شخصيات محلية لعبت أدوارًا حاسمة في تأطير العمل المقاوم، من بينها المقاوم عبد الله زاكور، الذي ارتبط اسمه بمجال إداوكنظيف، كأحد الفاعلين الميدانيين الذين واجهوا القوات الاستعمارية بأساليب قتالية غير نظامية. تهدف هذه الدراسة إلى إعادة تركيب ملامح هذه الشخصية ضمن سياقها التاريخي، اعتمادًا على المقاربات التاريخية والأنثروبولوجية، مع الاستناد إلى المصادر المكتوبة والذاكرة الشفوية.
1. السياق التاريخي للمقاومة بالأطلس الصغير
أدى فرض نظام الحماية الفرنسية على المغرب بموجب معاهدة فاس 1912 إلى اندلاع موجات متتالية من المقاومة المسلحة، خاصة في المناطق الجبلية التي ظلت عصية على السيطرة المباشرة. وقد اتخذت هذه المقاومة في الجنوب المغربي طابعًا قبليًا يعتمد على التضامن المحلي والبنية التقليدية للسلطة.
تشير الأدبيات التاريخية إلى أن سوس والأطلس الصغير شكّلا مجالًا استراتيجيًا للمقاومة، حيث تداخل العامل الجغرافي (وعورة التضاريس) مع العامل الاجتماعي (تماسك البنيات القبلية) في إنتاج نمط مقاوم طويل النفس (A. Laroui, 1977).
2. عبد الله زاكور: الفاعل المحلي وإشكالية التوثيق
ينتمي عبد الله زاكور إلى دائرة ما يمكن تسميته بـ”المقاومين المحليين” الذين لم يحظوا بحضور وازن في الكتابات الكولونيالية أو الوطنية الرسمية، مقارنة بشخصيات مثل موحا أوحمو الزياني أو عسو أوبسلام.
وتكمن صعوبة دراسة هذه الشخصية في محدودية الأرشيف المكتوب، ما يفرض الاعتماد على:
الرواية الشفوية المتداولة داخل قبائل إداوكنظيف؛
الإشارات المتفرقة في التقارير العسكرية الفرنسية؛
الدراسات الأنثروبولوجية حول مقاومة سوس.
هذا النقص في التوثيق يعكس، في جزء منه، مركزية الكتابة التاريخية الرسمية التي همّشت الفاعلين المحليين (J. Berque, 1955).
3. أنماط المقاومة وأساليب القتال
اعتمد عبد الله زاكور، وفق ما ترويه الذاكرة المحلية، على تكتيكات حرب العصابات، التي تميزت بـ:
تنفيذ كمائن مباغتة ضد الوحدات العسكرية الفرنسية؛
استهداف خطوط التموين والإمداد؛
الاستفادة من المعرفة الدقيقة بالمجال الجبلي.
وتندرج هذه الأساليب ضمن ما يسميه الباحثون بـ”المقاومة غير النظامية”، التي مكّنت القبائل من إطالة أمد المواجهة رغم اختلال ميزان القوى (D. Porch, 1983).
4. المجال الجبلي كفاعل في المقاومة
لا يمكن فهم تجربة عبد الله زاكور بمعزل عن المجال الجغرافي للأطلس الصغير الغربي، حيث لعبت الجبال دورًا مزدوجًا:
كحصن طبيعي يعيق تقدم القوات الاستعمارية؛
وكفضاء استراتيجي لتنظيم الهجمات والانسحاب.
وقد أظهرت الدراسات أن الجغرافيا كانت عنصرًا حاسمًا في فشل العديد من الحملات العسكرية الفرنسية في الجنوب (R. Montagne, 1930).
5. الذاكرة الشفوية وإعادة كتابة التاريخ
يمثل عبد الله زاكور نموذجًا لما يمكن تسميته بـ”التاريخ غير المكتوب”، حيث تستمر سيرته عبر الرواية الشفوية التي تحفظها الجماعات المحلية. وتبرز هنا أهمية:
جمع الشهادات الميدانية؛
توثيق الذاكرة الجماعية؛
إدماج التاريخ المحلي ضمن السردية الوطنية.
في هذا الإطار، تؤكد أعمال عبد الله العروي على ضرورة تجاوز القراءة الكلاسيكية للتاريخ المغربي، والانفتاح على المصادر غير التقليدية.
خاتمة
تُبرز تجربة عبد الله زاكور أن المقاومة المسلحة بالمغرب لم تكن حكرًا على القيادات الكبرى، بل كانت أيضًا نتاجًا لمبادرات محلية لعب فيها فاعلون مغمورون أدوارًا مركزية. ويظل إدماج هذه الشخصيات في البحث الأكاديمي ضرورة علمية لإعادة التوازن إلى كتابة تاريخ المقاومة، خاصة في مناطق مثل الأطلس الصغير الغربي التي ما تزال في حاجة إلى مزيد من التنقيب الأرشيفي والميداني.
لائحة المراجع:
- عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1977.
- Jacques Berque، Structures sociales du Haut Atlas، باريس، 1955.
- Robert Montagne، Les Berbères et le Makhzen، باريس، 1930.
- Douglas Porch، The Conquest of Morocco، نيويورك، 1983.
- Abdallah Laroui، L’histoire du Maghreb، باريس، 1977.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




