الرأيالمجتمع

قبيلة “أيت عبلا”: دور الجدور التاريخية والبعد الثقافي في تشكيل الوعي الهوياتي ونمط حياة..

  •  أكادير اليوم – امحمد القاضي * //

تعتبر قبيلة أيت عبلا إحدى المناطق الأمازيغية العريقة بجهة سوس التي جمعت بين عدة مميزات ومتناقضات تفرقت في غيرها.

الموقع والجدور :

تقع قبيلة آيت عبلا جغرافيا وسط جبال الأطلس الصغير المعروف ببلاد جزولة. تمتاز تضاريسها بحدة الارتفاع، تتخللها قمما جبلية المعروفة بجبال “الكست” وأشهر وأعلى قمة هي قمة جبل “أزرار”، المطلة على دواوير “تكاديرت”، “إفسفاس” و”أزكور” الحادة الإرتفاع الذي يتجاوز إرتفاعه…..م . وتنتمي قبيلة آيت عبلا، لإحدى مكونات كونفدرالية “إيلالن” بالأطلس الصغير الغربي.

“آيت عبلا” تنتمي إداريا لجماعة وقيادة ايت عبد الله، التي تجمع 5 جماعات ترابية، التابعة لدائرة إيغرم، إقليم تارودانت الذي يضم بدورها 89 جماعة أغلبها بالعالم القروي.

تحدها من جهة الشمال الغربي قبيلة “إدوسكا أوفلا” في إتجاه تارودانت، وقبيلة “أملن” المجاورة لبلدة تفراوت بالجنوب الغربي في إتجاه تزنيت، ثم “تاسريرت”، و”إيسافن” من جهة الجنوب الشرقي في إتجاه إقليم طاطا، وغربا تحدها قبيلة “آيت تيفاوت” المحادية لقبيلة “إداوكنضيف” في إتجاه إقليم شتوكة – أيت باها.

ويظهر من خلال هذا التوطين أن آيت عبلا تحتل مجالا جبليا وصخريا عنيدا ومسالك طرقية وممرات وعرة يسود فيه مناخ شبه صحراوي جاف، بارد شتاءا وحار صيفا.

وتتوزع تشكيلات القبيلة إلى ثلاث وهي “إمي ن كردال”، و”طارافان”، و”أفراوا”، كما تستقر الساكنة في حوالي 22 دوارا ينتشرون على السفوح ومواقع قريبة من الماء والعيون ومساحات قابلة للحرث والإستغلال للزراعة المعيشية. لكن مع توالي سنوات الجفاف، وقلة التساقطات المطرية، وتوطين الخنزير البري والإعتداءات الجائرة لجحافل الرعاة الرحل، إضافة لعامل الهجرة، مسببات قضت بصفة نهائية على الفلاحة المعيشية للسكان.

ويتميز غطاءها النباتي بإنتشار شجرة اللوز والتين الشوكي (الصبار/أكناري) قبل إنقراضه في السنوات الأخيرة جراء زحف الحشرة القرمزية، ونباتات شوكية مثل “النبك” والضغموس، ونبتات برية مثل الزعتر وأعشاب أخرى طبية وعطرية إكتشفت الساكنة مميزاتها الشفائية منذ القدم.

أيت عبلا التاريخ:

تاريخ “آيت عبلا” يكتنفه الكثير من الغموض بسبب وجود بياضات كثيرة، وعدم توفر أبحاث جدية حول المنطقة، وشح المادة والمعلومات التاريخية، إلا ما وصلنا من شذرات قليلة موزعة على المتون.

فهذه الأخيرة تجمع على أن أصل هذا التجمع الذي يحمل اسم “آيت عبلا” نزح من “تامدولت” بعد خرابها على إثر هجوم كاسح قاده “محند أوعلي أمنصاك” خلال القرن الرابع العاشر الميلادي. وتشير بعض الأبحاث إلى أن “ايت عبلا” لهم جذور من “إمجاض” بسبب استمرار روابط القرابة الاجتماعية بين الأسر والتي لا تزال تحافظ على تبادل الزيارات البينية بين المنطقتين من “آيت عبلا” نحو إمجاض.

وكيفما كان القول في شأن الأصول، فإن جل قبائل الأطلس الصغير تنتمي إلى جزولة، ،”إيكيزولن”، التي قد يقصد بها الاسم القديم “الجيتول” والتي لها استقرار طويل بالمنطقة، دون اغفال عوامل الاستيعاب التي تميزت به جبال جزولة خاصة في علاقتها مع بطون صنهاجة الصحراء الذين صعدوا إلى الشمال في مراحل متفرقة بعد قيام دولة المرابطين وانهيارها، ولعل انتشار ظاهرة الصلاح والتجارة وطلب الإمارة في جبال جزولة لدليل ساطع على هذا التمازج التاريخي القوي بين “ايزناگن” و”ايگيزولن”.

ثرات معالم المخازن الجماعية:

إن أهم ما يبرهن على عراقة “آيت عبلا” وجيرانها في الأطلس الصغير هو انتشار “إيگيدار” أو المخازن الجماعية بشكل ملفت للانتباه، وهي مؤسسات سياسية اجتماعية وإقتصادية عتيقة جدا، كانت تؤدي وظائف كثيرة منها ما يوازي وظيفة الأبناك حاليا، لتخزين المحاصيل والأشياء الثمينة. كما تعد حصن حجري وقائي منيع لإيوان الساكنة من هجمات المعتدين في عهد الغزوات وفترات السيبة وقلة الأمن.

يحرس هذه المخازن شخص يدعى “الأمين” يسهر على تطبيق قوانينها، وتؤطرها منظومة ثقافية ومرجعية حضارية في غاية الأهمية حابلة بالقيم وبالنظم الفلسفية التي تتوارثها الأجيال شفهيا منذ حقب سحيقة في التاريخ، لا يعرف أولها، كما تستند أيضا على مرجعية قانونية مكتوبة يسميها الفقهاء ومدوني التاريخ المحلي في سوس بالألواح (انظر كتاب ألواح جزولة لمحمد العثماني)، وهي في الواقع بمثابة دساتير لا يوجد لها مثيل في العالم، يتولى صياغتها وتحيينها حكماء القبلية او “إنفلاس”.

ولكن للأسف الشديد مادام أنها دساتير أمازيغية فإنها قوبلت بالرفض والانكار داخل أوساط “النخبة” التي تأثرت بالثقافة العربية الإسلامية التي تعتبر كل ما هو امازيغي “من عوائد البربر لا قيمة له”.

هذه الدساتير اليوم التي تسمى “الألواح” تم اكتشاف أقدمها إلى حد الآن في قبيلة “آيت عبلا” وهو المعروف بلوح “أكادير أوجاريف” الذي يعود تقريبا إلى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي حوالي 1498م، وهذا فيه دلالة كبيرة وعميقة لفهم الكثير من الإشكالات الراهنة.

وقد جمع الباحث “حفيظ أشافي” معلومات قيمة ونادرة في بحث غير منشور حول هذا الدستور الامازيغي “أگادير اوجاريف”. جل هذه المآثر التاريخية تتساقط أسوارها وتنهار أشكالها الهندسية وتمحى أدوارها يوما بعد يوم في إهمال غير مفهوم ومحو مؤسف لمعالم حضارة عريقة وإبداع الإنسان الأمازيغي القديم. من بين إكيدار المحافظة على شكلها الهندسي القابل للترميم في المنطقة، نجد مخازن دواوير “أوكرماض”، و”امزاور” و”برور”، على سبيل المثال.

أيت عبلا خزان المعادن :

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن قبيلة “آيت عبلا” كانت لها عاصمة تجارية ومعدنية كبيرة، نافست مدن كثيرة خلال عصر الوسيط، كمدينة تارودانت وغيرها من المدن التجارية، وهي مدينة “تازلاغت” التي كان يوجد بها منجم للنحاس يعتبره المؤرخ “عمر أفا” من بين أهم المناجم القديمة بالمغرب، والذي ذكره المؤرخون خلال العصر الوسيط ومنهم المؤرخ المراكشي.

وقد تحدث عن هذه المدينة أيضا صاحب “ديوان قبائل سوس” الذي عاصر السلطان السعدي “أحمد المنصور الذهبي” واشتغل معه وأعد له ديوانا خاصا بالقبائل يفصل فيه حصص الضرائب والجباية التي يجب على كل قبيلة أدائها للسلطان. مدينة “تازلاغت” تحدث عنها الكثير من المؤرخين والرحالة واجمعوا على كونها مدينة منجمية يوجد بها سوق تجاري لا يقل أهمية وحيوية عن المدن التاريخية المعروفة بسوس، “كنول لمطة” وتارودانت و”اليغ”…

إن ما يهمنا في هذا الصدد، هو التعرف على الجذور التاريخية للحياة الاقتصادية لقبيلة آيت عبلا وتجذر الممارسات والمعاملات التجارية في تاريخ المجتمع، دون اغفال قضية استغلال المناجم من قبل ساكنة البوادي والجبال في تاريخ المغرب.

فقد لاحظ الرحالة “شارل دوفوكو” خلال أواخر القرن التاسع عشر الذي زار المنطقة أن العمال مستغلي هذا المنجم كانوا ينزلون تحت الأرض إلى عمق يترواح بين 200 و300 دراع، وكانوا يرتدون لباس الجلد. وقد تأكد “عمر أفا” من خلال اطروحته حول النقود في تاريخ المغرب.

ظل منجم تازالاغت يعمل بوسائل تقليدية إلى حدود سنة 1930، وتم إعادة استخدامه في السبعينات من القرن الماضي. وعادت مؤخرا عدة شركات إستغلال واستخراج المعادن بطرق حديثة للتناوب على البلدة، في استنزاف متسارع لكل ما بباطن الأرض من النحاس والذهب دون أن تبدو على المنطقة بوادر التنفع بعائدات المعادن النفيسة ومشاريع تنموية تخرج الساكنة والمنطقة من التهميش.

أيت عبلا المقاومة:

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن قبيلة “آيت عبلا” تعتبر آخر القلاع بالمغرب التي صمدت في وجه الاستعمار الفرنسي. فقد تصدت المقاومة الأمازيغية للجيوش الفرنسية ببسالة شديدة بقيادة المجاهد المعروف بأمغار “كوعبلا”، عبدالله زاكور الذي نجح في توحيد القبائل المجاورة “إدوكنضيف” و”أملن” ولم تستسلم إلى في اللحظات الأخيرة حين قصفت فرنسا الأبطال المقاومين بالطائرات في الدواوير والجبال والأسواق الأسبوعية سنة 1934.

حين قال قائد المعارك “زاكور” قولته المشهورة في وجه القائد العسكري الفرنسي، عند إستسلامه حفاظا على سفك الدماء: “إتما القرطاس، إتما ووال”، بمعنى نفذت الذخيرة وإنتهى الكلام.

وتجسد مقاومة “ايت عبلا” إحدى الحركات المرجعية التي يستند عليها الخطاب الأمازيغي المعاصر لأنها كانت حابلة بالروح التاريخية والقيم الثقافية والوعي النضالي والتي تمتاز بها “الشخصية الامازيغية” عبر التاريخ، أهمها الدفاع عن الأرض والوطن إلى آخر الرمق.

فتأخر دخول الاستعمار إلى “ايت عبلا” بما يقارب 24 سنة عن عقد الحماية بين المخزن وفرنسا، كانت كلها فترة المقاومة والحروب المتتالية حقق فيها المقاومون انتصارات كثيرة، إلى أن استعانت فرنسا بالغارات الجوية العنيفة.

هذا التأخر ساهم بشكل كبير في بقاء القيم الامازيغية واستمرارها، والوعي الهوياتي، وانغرست في الجيل المعاصر للحماية واشتغل بها أبناء القبيلة الذين هاجروا إلى المدن الكبرى، وطبقوها حرفيا في ميدان التجارة.

مساهمة تجار “أيت عبلا” في صناعة الإقتصاد المواطن:

على غرار بعض شباب المناطق المجاورة، هاجر بعض الشباب للمدن الساحلية مثل أكادير والدار البيضاء والرباط بحثا عن مستقبل افضل. وإهتدوا لممارسة تجارة القرب للمواد الغذائية بإمكانيات بسيطة لكن بثقة وجدية وصبر وحسن المعاملة والمثابرة.

كما سجل الكاتب الأميركي جون واتربوري John Waterbury في كتابه حول تاجر من منطقة “أملن” الذي يعتبر من الأوائل الذين هاجروا للبيضاء: “الهجرة إلى الشمال: سيرة تاجر أمازيغي.” وبفضل هذا السلوك الجيني أسسوا لتجارة البقالة “بوتحانوت” التي غزت كل ازقة المدن وكانت السند الإجتماعي لكل فئات المجتمع المتوسطة والقليلة الدخل.

حيت إحتضنهم أهل الحي كتجار إغاثة وكمنقدين في توفير المواد الغذائية بالتقسيط أكثر منهم تجار ربح. أمهلوا الزبائن في الأداء وقربوا لهم المواد الأولية لفترات طويلة بين النهار والليل.

وشكلت الهجرة المفتوحة خاصة لفرنسا لحاجة الدول الأوربية ليد عاملة أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية بالمصانع والمناجم مصدر جذب للطاقات الشبابية بالمنطقة، وكونت بذلك فئة صانعة للثروة وجلب عملة صعبة وإستثمارات لا يستهان بها بالبلد.

الجيل المؤسس للتجارة إستطاع جلب فئات شبابية للمساعدة بالتجارة والتكوين الذاتي ومنهم من هجر اسره من أجل تعليم أبنائهم. كما إستمروا في دعم الاهل بتمازيرت من أجل الإستقرار والإستمرار في ممارسة الزراعة وتربية المواشي كوسيلة للكسب المحلي والإكتفاء الذاتي والحفاظ على الارض. وشكلت العودة الموسمية مناسبة لبناء وتوسيع مساكنهم وفرصة لإنشاء الأعراس والإحتفال بمواسم الحصاد وجني غلات الأشجار.

بحكم إكتساب الرواد تجربة تجارية وعلاقات تسويقية وسلوك إيجابي وسمعة نظيفة ومساعدة ابنائهم المتعلمين إستطاع بعضهم تطوير تجاربهم وإنشاء محلات لتجارة الجملة اوخلق مقاولات كبرى في عدة ميادين ذات سمعة على الصعيد الوطني، ومنها من إقتحم الأسواق الخارجية.

يمكن ذكر على سبيل المثال عائلة “بالحسن” وشركاؤهم “اوباري” و”الباعيسي” أصحاب زيت واد سوس والمشروبات الغازية ومقاولات البناء بأكادير، وعائلة “أسطايب” مالكي شركة “قهاوي الصحراء” بالبيضاء، وشركة “رومانا” للبناء لمالكها “الزين” وابناؤه بعدة مدن، إضافة لصناعة أفرشة “سيمافليكس” لعائلة “الصغيري” بمكناس، وتجار آخرين بميادين متنوعة ومقاولات مختلفة.

هاته المقاولات تعتبر من المقاولات ذات الحس الوطني المساهمة في تقوية الإقتصاد الوطني سواء بالمساهمة الجبائية أو بالمساهمات التطوعية للعمل الجمعوي والدعم المباشر خلال عدة مناسبات وطنية أو إغاثية عند الحاجة.

وتجدر الإشارة أن جيل واسع جديد من المتعلمين والمثقفين منهم اساتذة وموظفين ومحامون وغيرهم تشكل بفضل ولوجهم مستويات عليا في الدراسة سواء داخل الوطن أو خارجه.

هؤلاء جميعا ظلوا محافظين على روح التماسك المجتمعي والتدين المعتدل وقيمهم الإنسانية وإعتزازهم بهويتهم الامازيغية وتقاليدهم المتجدرة وإرتباطهم العاطفي بالبلدة كجزء من تكوين شخصيتهم. مما جعلهم يكونون قوة فاعلة داخل المجتمع السوسي.

المجتع المدني العبدالاوي:

تعتبر الجمعيات التنموية بسوس إحدى أكبر التجمعات المدنية بالمغرب، لدرجة كل دوار يتوفر على جمعية محلية هدفها تنمية أحوال الساكنة.

هذه الصحوة الجمعوية التي يؤطرها شباب طموح وأطر المنطقة تعتبر من جهة عمل تكميلي لدور التجمع التقليدي ل”إنفلاس” حكماء الدوار، الذي يرجع لهم الفضل في تغذية الروح القبيلة الجماعية والتماسك الأسري والتوجيه المستنير للحفاظ على مكتسبات وقيم المجتمع السوسي.

ومن جهة اخرى تعتبر الصحوة ردة فعل للفئة الفاعلة بالمنطقة لمواجهة سنوات التهميش والإقصاء التي عانت منها مداشر وساكنة المغرب العميق بالاطلس الصغير. حيت إستطاعت الجمعيات المحلية بفضل دعم الفاعلين الإقتصاديين ومساهمات الساكنة من خلق مشاريع تنموية صغرى منها: فك العزلة عن الدواوير بتبليط الطرقات، ودعم دار الطالب(ة)، وحفر الآبار، وبناء وتجهيز مساجد الدواوير، وتشجيع إنشاء التعاونيات النسوية، ودعم الدخول المدرسي والقوافل الطبية وغيرها. من بين جمعيات الدواوير للتنمية النشيطة نجد: جمعية ازكرماض، جمعية تيداس، جمعية تولي وجمعية اسدر.

كما تعتبر جمعية تيويزي للتنمية الإجتماعية لأيت عبد الله إحدى الجمعيات الفتية التي خلقت دينامية جمعوية ومشاريع مدرة للدخل شملت 22 دوار المشكلة لأيت عبد الله.

ومازال الفاعلون الإقتصاديون والتجار والأطر بالمنطقة، وعيا منهم بواجبهم تجاه البلدة، هم المحرك الاساسي لإنجاز وتشجيع وتمويل المشاريع التنموية بالدواوير، بالموازات مع مساهمات متوسطة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية خاصة على المستوى الترابي .

أيت عبد الله العالمة :

من المعلوم أن الامازيغ تاريخيا إحتضنوا الدين الإسلامي كمرجعية روحية توحد وجودهم الوجداني، وأغلب الإمبراطوريات الامازيغية التي حكمت المغرب كالمرابطين والموحدين وكذلك السعديين والمرينيين بدأوا كدعوات دينية إصلاحية نابعة من زوايا وطرق صوفية من هوامش الجنوب. وبذلك ظل الدين يلعب دورا مهما في تحصين المجتمع الامازيغي والحفاظ على أمنه الروحي.

لذا نجد في جل قبائل سوس مدارس عتيقة يتخرج منها على الدوام فقهاء وحملة القرآن يتكلفون بإمامة مساجد المنطقة وتلقين الصغار دروسهم الأولى ككتاتيب قرآنية.
بمركز آيت عبد الله توجد مدرسة سيدي لحسن اوعبلا العتيقة، أو مدرسة أيت عبد الله الخاصة للتعليم العتيق بسلكيه التعليم الأصيل النظامي وحفظ القرآن، حيث يدرس اليوم أزيد من 100 طالب أغلبهم منحدر من عدة مناطق من الجنوب المغربي، ويتكلف بتسييرها جمعية خاصة لهذا الغرض. تخرج من المدرسة عدة فقهاء منهم من أكمل دراسته العليا بالمعاهد الفقهية العليا أو إختار مسار أكاديمي أو فضل البداية بإمامة المساجد بعدة مناطق.

عرف عن السوسيين إهتمامهم الخاص بالمدارس العتيقة والتكفل والعناية بطلبة القرآن والتقدير للفقهاء والشرفاء، لما تشكل هذه المدارس وأماكن العبادة كمراكز ضمان الأمن الروحي والحفاظ على الإعتدال والوسطية في التدين.
فعلى غرار بقية دواوير الأطلس الصغير تعتني الساكنة وتقدر فقيه الدوار وتوفر له ظروف الحياة من مسكن وأجر وإحسان للإستمرار في تقديم الخدمات التعبدية للقاطنين بالدوار.

ويساهم فقهاء وساكنة آيت عبد الله ومحسنيها في إحياء المواسيم الدينية بالمنطقة كموسم “تمكيدشت”، و”تكرامت” إضافة لموسم “للاتعلات” التجاري والديني السنوي الدائع الصيت كملتقى لفقهاء ومدارس سوس عند كل ربيع السنة.

أيت عبد الله بين الأمس واليوم:

رغم كل هذا الزخم التاريخي والتراكمي وعدة مشاريع فك العزلة الطرقية في البنية التحتية والمبادرات التنموية المتواضعة، تظل المنطقة، كأغلب مناطق الهامش، تإن من بطئ منسوب التنمية، قلة فرص الشغل والمشاريع الإقتصادية الواعدة، وضعف المنجزات الميدانية التي لا ترقى لتطلعات الساكنة.

مما يدفع الأسر للهجرة بحثا عن أفق افضل ويساهم في إستنزاف الطاقة الشبابية بالمنطقة ليجعل من الدواوير قرى شبه مهجورة على شكل منتجعات صيفية تأوي العائدين من اهل البلدة لإحياء طقوس موائد صلة الرحم المعروفة “بالمعروف” وحضور المهرجانات الموسمية التي تنطفئ شموعها عند نهاية العطل الصيفية.

ختاما، تظل آيت عبدالله رغم كل التحديات بنية إجتماعية متماسكة وطاقة بشرية قادرة على بعث الأمل في النفوس وتجاوز الصعاب عند توفر الظرف الملائمة.

*بتصرف عن مقال أصلي للإعلامي عبد الله بوشطارت (بعد إذن وإطلاع الكاتب).

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى