المجتمع

وجوه في الواجهة: مولاي عمر والخش.. سيرة رجل جمع بين النضال والتنمية وخدمة المجتمع

أكادير اليوم – في لحظة وفاء واعتراف بالعطاء، خصصت الندوة الوطنية حول “المغرب وأفريقيا: قضايا التاريخ والتراث، قراءة في المصادر ومسارات التفاعل العلمي والثقافي”، التي نظمها مركز وادي سوس للدراسات والخدمات بشراكة مع ماستر المغرب في أفريقيا والجماعة الترابية لإنزكان يوم السبت 20 يونيو 2026، فقرة خاصة لتكريم أحد رجالات المنطقة ووجوهها البارزة، السيد مولاي عمر والخش، الرئيس الأول والمؤسس لمركز وادي سوس.

ويأتي هذا التكريم اعترافاً بمسار استثنائي لرجل بصم الحياة النقابية والسياسية والجمعوية والتنموية بسوس، وترك أثراً واضحاً في مختلف المجالات التي اشتغل بها على امتداد عقود من العطاء.

ولد مولاي عمر والخش ببلدة تراست سنة 1951، بينما تشير وثائقه الرسمية إلى تاريخ 10 نونبر 1953. ومنذ سنواته الأولى واجه ظروفاً صعبة بعد وفاة والده وهو لم يتجاوز عامه الأول، ليترعرع في كنف والدته رفقة إخوته وسط ظروف اتسمت بالكفاح وقوة الإرادة.

تلقى تعليمه الأولي بمسجد زاوية تراست، حيث حفظ أجزاء من القرآن الكريم، قبل أن يتابع دراسته بمدرسة الموحدين بإنزكان ثم بإعدادية ولي العهد بأكادير، فثانوية يوسف بن تاشفين، لينتقل بعدها إلى مدرسة الهندسة القروية والطوبوغرافية بمكناس، التي شكلت محطة حاسمة في بناء مساره المهني.

بعد تخرجه سنة 1973، التحق بالمصالح الإقليمية للفلاحة بأكادير ثم بتزنيت، حيث تقلد مسؤوليات تقنية وإدارية مهمة، من بينها منصب نائب رئيس وكالة التجهيز القروي بإقليم تزنيت. غير أن طموحه المهني لم يتوقف عند حدود الوظيفة العمومية، إذ غادرها سنة 1983 ليلج عالم القطاع الخاص، حيث راكم تجارب متعددة في مجالات الفلاحة والسياحة والتجارة والتنمية القروية وإدارة المشاريع.

ومن أبرز محطات مساره المهني إشرافه على مشروع تنموي بمنطقة أنزي في إطار برنامج أممي يتعلق بالماء والصحة، إلى جانب تدبير مشروع تجاري كبير بدولة الطوغو، ما أكسبه تجربة ميدانية واسعة داخل المغرب وخارجه.

وعلى المستوى النقابي والسياسي، انخرط مبكراً في صفوف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وساهم في تأسيس نقابة مستخدمي الفلاحة التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، حيث عرف بدفاعه المستميت عن حقوق الشغيلة ومشاركته الفاعلة في اللجان الثنائية والإدارية الوطنية.

كما ارتبط اسمه بالحركة الرياضية المحلية، إذ يعد من مؤسسي نادي أطلس تراست لكرة القدم سنة 1974، ولم يقتصر دوره على التأسيس فقط، بل حمل ألوان الفريق لاعباً وعميداً ومدرباً، مساهماً في ترسيخ ثقافة العمل الرياضي بالمنطقة.

غير أن الجانب الأبرز في شخصية مولاي عمر والخش يتجلى في انشغاله الدائم بقضايا التنمية المحلية والعمل الجمعوي. ففي سنة 1997 ساهم في تأسيس جمعية أضواء تراست للتنمية الثقافية والاجتماعية، التي شكلت تجربة رائدة في مجالات محو الأمية والدعم المدرسي والتربية والبيئة والعمل الاجتماعي.

وفي سنة 2010 قاد المبادرة التي أفضت إلى تأسيس مركز وادي سوس للدراسات والخدمات، حيث انتخب أول رئيس له. وخلال فترة رئاسته أطلق المركز عدداً من المبادرات الفكرية والثقافية والتنموية، ونظم ندوات وأياماً دراسية، وساهم في إصدار مؤلفات جماعية، كما لعب دوراً محورياً في تأسيس تنسيقية للمجتمع المدني أثمرت ميلاد جمعية “كسيمة مسكينة للتراث”، التي كان لها دور بارز في الترافع من أجل تصنيف قصبة إنزكان تراثاً معمارياً وطنياً.

ويجمع الذين عرفوا الرجل عن قرب على أنه شخصية قوية وحازمة في مواقفها، لكنها في الآن ذاته إنسانية ومرهفة الإحساس، وفية لأصدقائها ورفاق دربها. وقد تجلت هذه الخصال في علاقاته الواسعة مع مختلف الفاعلين والوجوه الاجتماعية بالمنطقة، وفي حرصه المستمر على توجيه وتأطير وتشغيل العديد من أبناء بلدته ومساندتهم في مساراتهم المهنية والحياتية.

إن تكريم مولاي عمر والخش خلال هذه الندوة العلمية لم يكن مجرد احتفاء بشخص، بل كان تكريماً لذاكرة جيل من الرجال الذين جمعوا بين النضال والعمل والإخلاص لقضايا المجتمع. فهو نموذج للفاعل المحلي الذي استطاع أن يحول تجربته المهنية والنقابية إلى رصيد في خدمة التنمية والثقافة والعمل المدني، ليظل اسمه مرتبطاً بمحطات مضيئة من تاريخ تراست وإنزكان وسوس عموماً.

وبذلك يظل مولاي عمر والخش واحداً من الوجوه التي صنعت بصمت في تاريخ المنطقة، وواحداً من رجالاتها الذين تركوا أثراً يتجاوز المناصب والمسؤوليات ليبلغ مرتبة القدوة والعطاء المستمر.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى