المغرب اليوم

هذه الروح لا تباع في أسواق أوروبا…!

هناك لقطات تمر على شاشاتنا وأعيننا كعابر سبيل لا تترك أثراً.. وهنا أخرى تُولد لتستقر في عمق الوجدان وتتحول إلى وثيقة سياسية وإنسانية خُطّت حروفها بعرق الرجال ونبض القلوب. كما هو حالة لقطة ظهر فيها قميص منتخبنا الوطني المغربي ممزقاً في ملحمة شرسة فوق المستطيل الأخضر.

وأنا هنا أعترف بملء الفم بأنني لا أفقه في التكتيك الرياضي ولا أحفظ عن ظهر قلب خطط المدربين ولكنني حين أتأمل هذه الصورة بالذات تصمّ أذناي غريزياً عن كل تلك التعليقات الهامشية التي تستهلكها البلاتوهات لمناقشة جزئيات اللعب وضياع الفرص ولسبب بسيط، هو أن هذه الصورة ترفع كل عتاب وتختزل فوق تفاصيل الخطط روحاً قتالية لا تُقاس بالأرقام.

لقد استحضرتُ في تلك اللحظة وأنا أرى الشبل المقاتل وائل العيناوي في صورة صورة أبيه يونس العيناوي وقميصه الذي مزّقه..

هو امتداد بحكاية الحاضر وهو يعانق أمجاد الماضي وتوارثٌ جينيّ لجمر الغيرة على الراية الوطنية.

وفي تلك المواجهة التاريخية تمكن يونس العيناوي من الفوز على كارلوس مويا في مباراة ماراثونية حبست الأنفاس وهي المباراة التي تلتها لقطته الأيقونية الشهيرة عندما قام بتمزيق قميصه الوطني احتفالاً بالانتصار التاريخي والروح القتالية العالية مما جعلها محفورة في ذاكرة المغاربة كإحدى أعظم اللحظات الرياضية في تاريخ التنس والرياضة الوطنية.. فلا فرق بين القميصين في الاحتفال كما في الدفاع عن العرين.

لم يكن وائل في تلك الملحمة يدافع في نظري عن مجرد رقعة عشب أو نتيجة مباراة عابرة بل كان يخوض معركة كبرياء جيل لحماية هوية وطن وتاريخ أمة. قد تنتهي المباراة وأياً كانت النتيجة فلن ينتهي الوطن لكن مثل هذه المواقف الشامخة هي التي تصنع وجدان الشعوب وتمنحها اليقين الوجودي.

هذا القميص الأبيض الموشى بالزخارف المغربية الأصيلة والممزق في صراع بطولي يكشف لي عما هو أعمق من الجسد إنه يعري معدن “الگرنيتا” والشغف الخالص الذي لا يمكن تزييفه ولا تطاله يد المساومات.

تأتي هذه اللقطة البليغة في توقيتها ودلالتها الحية لتضع حداً حاسماً وبلسان حال يغني عن ألف مقال لتلك الأقلام والأصوات التي طالما حاولت تبخيس هذا الانتماء واختزال هذا العطاء الأسطوري في أطروحة واهية تدعي أن هذا الفريق (منتخب مستورد من أبناء الخارج)
وهنا أطرح السؤال بجرأة وإلحاح:
هل تُستورد هذه الحرقة؟

وهل تملك كبريات العواصم والنوادي الأوروبية بكل ترسانتها المالية أن تمنح لاعباً هذه الغيرة الوطنية الجارفة؟ إن هذا القميص الممزق يصرخ في وجه كل مشكك ليعلن أن مغربية هؤلاء الشباب ليست حبراً على جواز سفر ولا صفقة في سوق الانتقالات بل هي عقيدة تجري في الشرايين.
هي ذات الروح الأبية التي جعلتني أتابع العيناوي في مقابلة نهائي كأس أفريقيا الأخير وهو يرفض مغادرة الميدان واضعاً ضمادة على رأسه لتختلط قطرات دمه الزكية بلون العلم في مشهد يختزل معنى الفداء والتضحية.

إن معضلة البعض في فهم هذا الجيل تكمن في عجزهم عن إدراك أن “تمغريبيت ” ليست حدوداً جغرافية مرسومة بل هي وجدان ممتد عابر للقارات. أن تكون مغربيا كما يلقننا هؤلاء الأبطال في المحافل العالمية يعني أن يكون الذود عن سمعة “الخيمة الكبيرة” وهيبة الأرض هو المبتدأ والمنتهى.
في كل تمزق في الثوب وفي كل قطرة دم تسيل تنبثق حكاية وفاء مقدسة تربط الابن بأرض الأجداد برباط لا ينفصم.

وفي النهاية
تظل هذه اللقطة شاهداً تاريخياً حياً على أن حب هذا الوطن ليس ترفاً ولا تشجيعاً ينتهي بصفارة حكم
هو التزام وجودي وتكامل أجيال… فالأوطان لا تموت بضياع كأس أو خسارة جولة بل تحيا وتتجدد بهذه الروح الحية التي تسكن أسود الأطلس..
روحٌ تأتي من عمق التاريخ..

من بيوت أمهاتنا اللواتي غرسن التمغربيت مع الحليب.. ومن جينات آباءٍ سلموا المشعل لشباب يثبتون للعالم في كل ملحمة أن كرامة المغرب وغيرة أبنائه… لا تباع في أسواق أوروبا.. ولا تُشترى بذهب العالم كله.
يوسف غريب كاتب صحفي

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى