
التحكيم ومشروع قانون مهنة المحاماة
*بقلم: د. أوماست محمد أزكوك*
محكّم مسجّل بجدول قائمة المحكمين بوزارة العدل،
رئيس المركز المغربي للتحكيم والوساطة والمواكبة،
ومحامٍ بهيئة المحامين بأكادير وكلميم والعيون.
بمجرد قراءة الفصل، يتبيّن أن المشرّع المغربي لم يُشر إلى التحكيم في هذا المشروع اعتباطاً، في وقتٍ تمنح فيه أغلب القوانين المنظمة للمهن الحرّة وغيرها هذا الاختصاص لمهنييها.
ويرى البعض في ذلك مكسباً لتوسيع مجالات عمل المحامي، خصوصاً وأن للمحامي الحق في ممارسة التحكيم سواء كان مقيداً بلائحة المحكمين بوزارة العدل أم غير مسجّل، لأن الأمر يرتبط بإرادة الأطراف أو بتعيين من المحكمة، ولا يغيّر ذلك من الأمر شيئاً.
كما أن التقييد بقائمة المحكمين بوزارة العدل ليس إلا إجراءً تنظيمياً لوضع جدول رهن الإشارة لمن يتعذّر عليه تعيين محكّم من اختياره، أو عند عدم توافق الطرفين، أو رفض أحدهما تعيين محكّم. عندئذ يُعطى للقضاء حق تعيينه من هذا الجدول أو من خارجه، وفقاً لمقتضيات الفصول *306 إلى 327* من قانون المسطرة المدنية، والتي تنظّم التحكيم والوساطة الاتفاقية بعد أن تم إخراجها من قانون المسطرة المدنية بموجب القانون رقم *95.17*.
وقد طُرحت إشكالية لدى بعض المحامين عند تقديم طلب التسجيل بجدول المحكمين بوزارة العدل، إذ لم يُقبل تسجيلهم لعدم توفر شروط التسجيل. بل حتى مع توفر الشروط، يظل العدد المقبول قليلاً: ففي سنة 2025 تم تسجيل 240 محكّماً، وفي سنة 2026 قُبل تسجيل 200 فقط.
*والتساؤلات المطروحة تتعلق بالتنصيص في مشروع قانون مهنة المحاماة في المادة 33 على ما يلي:*
> 5 – القيام بمهام التحكيم والوساطة وباقي الطرق البديلة لحل المنازعات وفق التشريع الجاري به العمل. غير أنه يُمنع على المحامي أن ينوب أو يؤازر أحد الأطراف في نزاع مارس فيه إحدى هذه المهام.
فهل يخضع المحامي في ممارسة التحكيم لسلطة النقيب والمجلس في الجانب التأديبي وتحديد الأتعاب، بصفته محكّماً فردياً أو جماعياً، على غرار ما كان عليه الأمر في تحرير العقود؟ أم أنه يخضع لقانون التحكيم والوساطة الاتفاقية بعيدا عن صفته المهنية كمحام؟
*والأهم من ذلك، أن إخضاع المحامي لرقابة مزدوجة عند ممارسة التحكيم يطرح إشكالاً يتعلق بحصانة الدفاع وحصانة عمل الهيئة التحكيمية الفردية والجماعية.*
فالمحامي، سواء ترافع أو تحكّم أو توسط، يمارس وظيفة ذات طبيعة قضائية تشارك في تحقيق العدالة. وقد كرّس المشرّع المغربي هذه الحماية في *الباب الخامس: حصانة الدفاع* من القانون رقم *28.08* المنظم لمهنة المحاماة،
فإذا جرى التعامل مع المحامي-المحكّم كخاضع لسلطة النقيب والمجلس وغرفة المشورة بمحكمة الاستئناف من جهة، ولقانون التحكيم والرقابة القضائية من جهة أخرى، إضافة إلي لجنة المهن القضاىية المتعلقة بالتقيد والتشطيب من لائحة قائمة المحكمين بوزارة العدل فإننا أمام تضييق على استقلاليته، وتفريغ لحصانة الدفاع من مضمونها. وهو ما يتعارض مع *الفصل 121 من الدستور المغربي* الذي ينص على حق الدفاع، ومع *المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية* التي تكفل حق كل شخص في محاكمة عادلة وضمانات الدفاع، وكذا مع *مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين* لسنة 1990.
كما أن المغرب صادق على *اتفاقية نيويورك لسنة 1958* بشأن الاعتراف وتنفيذ قرارات التحكيم الأجنبية، والتي تقوم على استقلالية التحكيم وحياد المحكّم. وإخضاع المحامي-المحكّم لسلطة تأديبية مهنية أثناء ممارسته التحكيم يتعارض مع هذه المبادئ، ويضعف ثقة المستثمرين في آليات التحكيم بالمغرب.
نطرح هذه التساؤلات لفتح النقاش، حتى لا يتحوّل هذا النص إلى ظرف تشديد يمس باستقلالية المحامي في عمله كمحكّم، مقارنة بباقي الممارسين للتحكيم، أو يجعله خاضعاً لسلطة الرقابة القضائية ولجنة المهن القضائية والنيابة العامة ومؤسسة النقيب معاً.
كما أن أتعاب المحام عرفت مؤخراً تدخلاً من مؤسسة حساب الودائع عبر اقتطاعات تتراوح بين 1% و20%، وامتد هذا التدخل حتى إلى أتعاب المحامي في ممارسة التحكيم.
نطرح هذه التساؤلات ونفتح النقاش بخصوص هذا التعديل الذي يظهر في ظاهره مكسباً مهنياً للمحامي، لكنه في الوقت نفسه يمس باستقلاليته في ممارسة مهمة التحكيم، ويتعارض مع الدستور المغربي والمواثيق الدولية، ومع توجهات الدولة نحو اعتماد الوسائل البديلة لتشجيع الاستثمار.
أكادير، السبت 23 ماي 2026*
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


