
بين عشاء الأمس وفطور قطٍ… حكاية تسخير
- أكادير اليوم – يوسف غريب //
لم تكن ليلة مختلفة عن غيرها عشاء بسيط مع صديق يمتد فيه الحديث كما تمتد الأطباق بلا حساب.. شيء من الألفة وشيء من الإفراط الذي نغفره لأنفسنا تحت مسمّى “لحظة جميلة”.
وعندما انتهى كل شيء، بقي ما يزيد عن حاجتنا – كما يحدث كثيرًا- فحملته معي لا بدافع واضح بل كأننا نؤجل مواجهة فكرة الفائض إلى وقت آخر
تركت الكيس في السيارة أغلقت الباب… وكأنني أغلقت معه القصة
لكن القصص التي نعتقد بأننا أغلقناها لا تنتهي دائمًا حيث نظن
في الصباح
كان اليوم يمضي بعاديته لا أثر لليلة الأمس في الذهن دخلت السيارة فلفت نظري ما تبقّى من العشاء ينعكس في المرآة
ما إن هممتُ بإنزاله حتى تقابلت عينايّ مع قط قرب الباب
لم يكن يموء.. ولايلحّ.. سكين الحركة
… فقط كان حاضراً
كأنه لا ينتظر صدقة.. بل موعداً
في مثل هذه اللحظات والمواقف لا مجال للتفكير الطويل.. مددت يدي وضعت الكيس أمامه. ومضيت خطوة إلى الخلف
ظاهريًا كان الأمر بسيطًا جدًا فعل عابر.. لا يحتاج تفسيرًا
لكن داخلياً كان هناك شيء يتشكّل
فالقط بدأ يأكل بهدوءٍ لا يشبه الجوع بقدر ما يشبه الطمأنينة…. وأنا أراقب على خطوات أتأمّل
هذا الطعام الذي كان فائضًا عني صار رزقًا مكتملًا لغيري
لم أخطط.. لم أقصد… ولم أرتّب أيّ شئً
فقط سلسلة صغيرة من الأحداث… لكنها جاءت متقنة بشكل يثير التأم
واكتشفت انني لم أكن صاحب الفضل كما أحب أن أتصور بل مجرد حلقة جسر صغير عبر عليه رزق لم يكن لي في الأصل
وهنا عادت إلى ذهني الآية الكريمة لكن هذه المرة لم تكن مجرد كلمات مألوفة
( وقَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيا)
كأنها تُقرأ من جديد لكن من داخل التجربة لا من خارجها
نحن لا نملك بقدر ما نُسخَّر
تمرّ الأشياء عبرنا كما تمرّ بنا الأيام بهدوءٍ لا ننتبه له إلا نادرًا… وقد نظن أننا فاعلون بينما نحن- في وسائط دقيقة في نظام أكبر لا يخطئ مواعيده ( وكل في فلك يسبحون)
كيس طعام منسي وقطٍ يعرف أين يقف..
هي تفاصيل صغيرة – حقّاً – لكنّها تضعك فجأة أمام نظام أكبر منك يعمل دون أن يطلب رأيك
ذلك الصباح لم يضف لي فكرة جديدة بقدر ما أعاد ترتيب فكرة قديمة:
لسنا مركز الأشياء كما نحب أن نعتقد… نحن جزء من شبكة صامتة يُسند فيها لكل واحد منا دورًا صغيرًا لكنه ضروري
ففي تلك اللحظة البسيطة بين بقايا عشاءٍ وفطور قطٍّ لم يكن الأمر مجرد تقاطع عابر بل امتدادٌ لتدبير أوسع من إدراك اللحظة.
وكأن تتمّة الآية تشرح هذا التداخل الهادئ بين الحاجة والسبب:
﴿.. وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا)
فليس المقصود بالسُّخرية هنا بالمعنى المتداول بل التسخير:
أن يُيسَّر كلٌّ لغيره فيصبح هذا سببًا لذاك وذاك امتدادًا لهذا ضمن شبكة خفية من التبادل في الأدوار والأرزاق.
ذلك القطّ لم يكن ضمن خطتي، كما أن بقايا الطعام لم تكن معدّة له تحديدا ومع ذلك اجتمع الطرفان في لحظة واحدة كأن الحياة تُنفّذ لقسمةً سابقة
وبحكمةٍ لا نراها إلا متأخرًا
ليتّضح أننا لسنا فقط متلقّين للأرزاق بل أيضًا أدوات في وصولها إلى غيرنا كلٌّ في موقعه.. ووقته ضمن نظامٍ من التسخير الهادئ الذي لا يعلن نفسه لكنه يعمل باستمرار.
في النهاية يبقى المشهد صغيرًا… لكن دلالته أكبر من حجمه منها أنّ العطاء ليس فعلًا نقوم به بل حالٌ يُقام بنا
وأن الفائض… ليس زيادة في الشيء..
بل إشارة إلى أنه لم يُخلق ليبقى عندنا
ومن يدري…
ربما في مجرى آخر
وفي غيبٍ لا نراه،
كنّا نحن ذلك ( القط)
وكانت يدٌ أخرى – لا تعرفنا –
بابًا فُتح لنا..
من يدري
لكنّنا ندري جميعا قوله تعالى :
(ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك)
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


