
عدالة بلا عدادات… نظام تقليدي يوزع مياه السقي في قلب تافراوت
- أكادير اليوم : إبراهيم فاضل//
في قلب الأطلس الصغير، وتحديدًا بدوار أنامر التابع لجماعة أملن بدائرة تافراوت، لا تزال تقاليد تدبير المياه تقاوم زحف الحداثة، محافظةً على روحها الجماعية ونُظمها العرفية التي صمدت لعقود طويلة. في هذه الرقعة الجبلية التابعة لإقليم تيزنيت، حيث يُعد الماء موردًا نادرًا وحيويًا، يبرز نموذج تقليدي فريد لتوزيع مياه الري، يعكس عمق الوعي البيئي لدى الساكنة وحكمتها المتوارثة عبر الأجيال.
وسط الحقول التي تتخللها أشجار الزيتون، يعتمد سكان دوار أنامر على أداة بسيطة في شكلها، دقيقة في وظيفتها، عمود خشبي مثبت بعناية، تتوزع عليه مسامير معدنية بمسافات محددة. هذا العمود، الذي يشبه في رمزيته “ساعة مائية” تقليدية، يُستخدم لضبط الزمن المخصص لكل مستفيد لسقي أرضه. فكل مسمار يمثل مدة زمنية محددة، يُحدد على أساسها نصيب كل مستفيد من مياه السقي، في نظام يجمع بين البساطة والفعالية.
وتنطلق عملية التوزيع وفق قواعد عرفية صارمة، حيث يتناوب المستفيدون على مراقبة احترام الأدوار، في إطار من الالتزام الجماعي والمسؤولية المشتركة. ويُعد هذا التنظيم الذاتي، الذي تشرف عليه جمعية أنامر، أحد أبرز تجليات التضامن المحلي، إذ يسهم في ضمان عدالة التوزيع والحد من النزاعات، خاصة في ظل ندرة المياه وتزايد الطلب عليها.
ولا يقتصر هذا النظام على كونه مجرد آلية تقنية لتدبير مورد طبيعي، بل يتجاوز ذلك ليشكل جزءًا من الهوية الثقافية للمنطقة. فهو يجسد علاقة متوازنة بين الإنسان وبيئته، ويعكس قدرة المجتمعات القروية على تطوير حلول مستدامة رغم محدودية الإمكانيات.
ورغم التحولات التي عرفها القطاع الفلاحي واعتماد تقنيات حديثة في الري بمناطق عدة، لا يزال سكان دوار أنامر بجماعة أملن دائرة تافراوت إقليم تيزنيت متشبثين بهذا النظام التقليدي، باعتباره رمزًا للإنصاف والتعاون، ووسيلة أثبتت نجاعتها عبر الزمن في تدبير المياه.
وفي تصريح للفاعل الترابي والجمعوي السيد الحسين الإحسيني استقيناه عند لقائنا به في هذا الدوار الذي ينحدر منه، أكد لنا أن هذا النظام التقليدي لتدبير السقي هو نظام متوارث عن الأجداد وتحرص الجمعية على الحفاظ عليه رغم تحديات الهجرة القروية التي أصبحت مرضا عضالا ينخر جسد البنيات الاجتماعية التقليدية بالمنطقة وبكل حمولاتها الثقافية والرمزية، وشرح لنا مقومات هذا النظام التقليدي القائم على تدبير محكم ومقنن لحصص السقي اعتمادا على تقنية “أسقول” الذي يضبط حصص كل عائلة من ماء السقي وأكد على أن الأجداد أبدعوا توزيعا زمنيا يعتمد على الشمس من الشروق إلى الغروب، وذكر أسماء هذه الأزمنة منها:
إفيل فوكت
أكيّاو
طوزومت
تادكات
ربا ن تدكات
أمالو ؤزلو…
كما أكد لنا أن جمعية الدوار حريصة على المحافظة على هذه المعلمة التراثية الثقافية التي تختزن ذاكرة جماعية للمعارف التقليدية في المجال الفلاحي والعمل على نقلها للأجيال الصاعدة عبر توثيق هذه المعارف وشرحها وجعلها في متناول الزائرين من أبناء القرية والوافدين عليها كذلك.
إن استمرار العمل بهذه الطريقة يفتح نقاشًا أوسع حول أهمية صون المعارف المحلية، ويدعو إلى التفكير في سبل تثمينها ودمجها ضمن مقاربات تنموية حديثة، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية دون التفريط في الإرث الثقافي الغني الذي تزخر به مناطق مثل تافراوت.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



