الثقافة

يا إلاهي هل طلبنا الكثير.. ليتنا لم نكبر كثيرا

“صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم”.قيس بن الملوح

لم تعد الحياة تهدهدنا على سرير ناعم، ولا الآباء قادرين على العفو عن زلاتنا الصغيرة وكذبنا الأبيض، ملح البحر أضحى لا ينعش ذكرياتنا، وملائكة اليمين ضجوا من فراغ كتبهم، والأغاني القديمة لا تُنشط دورتنا الدمية لاجتياز درج في سلم الوجود.

الأشجار التي نمر عليها كل صباح سئمت وقوفها، ولم تعد قادرة على رفع يدها للتحية بسبب الكآبة العفنة في الضلوع.. كيف يمكن أن نعيد لأوراق الشجر المتساقط على الرصيف نسغ الروح، أوصاف الزهر وعطر النساء الجميلات وأغاني الحصاد القديمة.

صارت البراعم تذوي في الحديقة قبل أن يبتسم السنونو، جفّت الوديان التي كنا نستلقي على حرير سريرها لنختلس النظر إلى السماء ونحن في وضع عائم، ولم يعد بمقدور المطر أن يفي بوعوده التي تجعلنا مثل خطاطيف تبشر بالربيع، ما عدنا ننتظر من السكينة أن تقتنع بأن تعوج على طللنا، والكلمات فقدت طرافتها وأخذت تنمو في أفواهنا مع تعب السنين وتشيخ، شياطيننا ذاتها أضحت خاملة، لم تعد تمنحنا ذلك النزق الطفولي للمغامرة..

فجأة سقطنا في ركام الغبار وحطام بقايا الذاكرة وشظايا الأحلام الملتبسة برؤيا المنجمين في الكتب الصفراء.. هذا زمن المهازل والملاحم البليدة، ما بزغ منها وما بطن.. حتى الفراغ يدلي برأيه فيما صرنا إليه، فيما السماء تحاول أن تبدو محايدة ومحافظة على اتزانها في القضايا المتشابهة. خلت الطرقات من أثر الدهشة وأمراضنا فقدت أسماء جنسها وأضْحت تحيل على أصل الحيوان فينا، من جنون البقر إلى أنفلونزا الخنازير.

داخت الأرض، ولم تعد قادرة على إتمام دورتها لا حول قرص الشمس ولا حول وجه القمر الكابي، لم تعد تجذبنا حكايا عيون الماء.. يسّاقط العمر على إيقاع رقص الساعة الحائطية مثل الدمعة المنهكة.. كم بحثنا عن حلم لا يلوي عنقه الريح.. غبش حزين يتمطى في جنبات المدفئة، يتثاءب.. حتى قراصنة الوقت وقائدو الحروب الصديقة والمرهفة الأحاسيس، لم يدفعوا جزيرتنا قليلا عن موانئ الألم.. حيث ترسو سفن الجراح.

أضحت الهاوية سافرة نسير إليها بأقدام متبرجة.. والأحزان أضحت مسكوكة، وليس لدموعها دفء ملح البحر، يبست شفاهنا وتخشبت نظراتنا.. وما عاد الهواء يتسع لنأمة طفل كان يسكننا، امتلأت قلوبنا بالبثور ووحل الطريق، وأضحت مثل كيس مليء بأصوات الجماجم، لم نعد قادرين على إبعاد شعر الليل عن جبين السماء لنرى بكامل الوضوح شهوات الشمس على صفحة وجهها.

الورود اعتلاها الشحوب، العصافير فقدت شهية النشيد والحقول أضاعت بكارة نضارتها، والخيول باعت صوتها الأصيل في سوق النخاسة.. وزهرة الغنباز أصابها الوسن قبل وصول العقارب إلى الالتصاق في منتصف ساعة الجدار.. الأصدقاء القدامى تناثروا في كل الزوايا، تساقطت نجومهم على اليابسة، والأحبة انفضوا خارج أحلامنا المشتركة، ولم يعد أحد منا يبحث في أصداف المحار عما يجعل رحيلنا له طعم المغامرة وسر الدهشة الأولى، ولا كيف نملأ ثقوب الزمن حتى بخرق بالية.

بالأمس كنا نحضن الأشياء بصدق العاشقين، نهرب أحلامنا الصغيرة إلى الظل، نربيها على حرير أيدينا ونعدها على أصابع من نحب، ثم نصغي لصوتها القادم من كهوف بعيدة، كأنها أصوات الأزل.. اقتنعنا بسذاجة، بكوننا نملك سر الينابيع وفطرة الفراشات التي تفجر الحنين في الأزهار، مثل الشموع المضيئة كنا، وبذرة الحياة تختمر فينا مطرزة بحرير الحلم وعرق السواعد المشمرة لزرع حبة أمل..

كان للشوك ملمس الحرير تحت وجع أقدامنا ونيران الدروب الموجعة بردا وسلاما على أرواحنا، لأننا أسكننا الكون أعراسا ورؤى، وخبأنا في طرف الشمس مدائن وأسرار وكوّمنا في الأفق مطرا طاهرا يغسل به الجناة والجلادون سيوفهم من أثر دمائنا، كنا نسارع الخطو في بحر الأزمنة دون الوصول إلى عتبة واحدة من الأمكنة المشتهاة، لأننا سرنا إلى الحياة مسندين جباهنا إلى موت أجلّ.

ظللنا نكابر دفاعا عن وهم خيوط شمس ناعمة تدخل دروبنا العتيقة لتلامس الأجساد المسهدة وتمدنا بالدفء في ظل فراغ مهول للسياق التاريخي.. كنا نبتهج بالقليل، ولا نتساءل عن القسمة الضيزى، وكلما حل الصيف، اغترفنا الحكايات والماء المستحيل من أوراق الشجر وفخذ النساء.

كنا نكدس سنابل الفرح الذي لا نسرفه كثيرا في مواسم الحصاد، لليالي العجاف وأيام الهلع.. نقيم المودة بكل التقسيط المريح مع ما يشاكس رغباتنا، ولا نترك فرصة للتجاعيد كي تصدح بركام العمر المتعب..

حتى خصوماتنا وشجارنا كان مثل بوح العصافير.. مثل بقايا عصر بطولي نبدو الآن، متضخمين في كل شيء: قاماتنا، شراهتنا وهواجسنا، حروبنا ودسائسنا، خيباتنا وأحزاننا، فيما أصبح العالم الذي نقيم فيه ولا يقيم فينا، في قمة سلم التمدن الحضاري، “قرية صغيرة” تضيق عن الحالمين والتائهين..

مثل النسور كنا، نشتهي أعالي الأماني لا المواقع، اللاحد نربيه، نوسع به حدقة أعيننا من أجل الآخرين، كنا مستعدين لنختصر فسحة عمرنا لنحافظ على شمس البسمة في روابينا. نحلم ونحلم ونحلم، وحين نفتح أعيننا من جديد ونبذل قصارى جهدنا لنرى بقية الحلم.. آه كم كانت أحلامنا بريئة وكانت الحياة أبهى.

لماذا لم يعد يجرفنا الحنين إلى بهاء الغامض فينا؟
بار زمن المعجزات ولم يعد هناك ما يفاجئنا.. نزفت أحلامنا كالجرح في جسد الريح، هزلت أمانينا وأصيبت بالكساح، ولم تعد أحصنة الخيال تملك نفس الجموح، ضاع صهيلها الذي كان يزهو في الآفاق، متموجا مع الريح مثل زغرودة فرح الفاتحين.

الآفاق، متموجا مع الريح مثل زغرودة فرح الفاتحين.
ذهب عمرنا سريعا في اتجاه مضاد لرياحنا المشتهاة، ولم نستطع اللحاق به، ولا بقينا في الميناء حيث ودعناه، لنستدفئ بأمانينا عنه وبالذكريات الخوالي..

اهترأت ساعاتنا وحرقة اللوعة لغيوم بعيدة، وفجأة انطلقت في غفلة عنا جحافل الوحوش التي احتجزها تهذيب الطبيعة البشرية لقرون. صحيح أننا أصبحنا ندرك الفروق الدقيقة أكثر: الغيوم العشرة المنتصبة فوق رؤوسنا، الكرسي الذي يهتز كلما افتقد شهوة الحنين، المقبرة العتيقة التي تستقبل كل يوم موتى بلا عدد ولا حلم، والعرافة التي تقرأ الطالع على أكف الشواهد الباردة..

عود الثقاب النائم في سرير الزحام، الأشجار المحزوزة الأعناق، المشانق المحلاة بدليل إشهاري، المصعد الإلكتروني والشبكة العنكبوتية..

لمَ ننوء بثقل كل آثام الوجود ونبتلع الأحزان كأدوية مرة؟ نحتفي بالفوضى المنظمة وبالشك في نجاعة وعود الربيع..

“ما أصعب ما نطلبه من هذا العالم“، ليتنا.. ليتنا لم نكبر.

          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى