
بورتريه: لحسن بيكا.. مايسترو “إسمكان” وحافظ ذاكرة “بيلماون” بسوس
أكادير اليوم – في مدينة إنزكان، حيث تتقاطع الذاكرة الشعبية مع نبض التراث الأمازيغي العريق، يبرز اسم الفنان والفاعل الثقافي لحسن أوعلي بيكا باعتباره أحد أبرز رواد فن “إسمكان” وأحد حراس ذاكرة ظاهرة “بيلماون بودماون” أو “بوجلود” بمنطقة سوس. فهو ليس مجرد ممارس لهذا التراث، بل شاهد حي على محطات تطوره وتحولاته، وواحد من الذين نذروا حياتهم لصيانة هذا الموروث الثقافي والدفاع عنه في مواجهة عوامل التهميش والنسيان.
ولد لحسن بيكا بمدينة إنزكان في 22 يناير 1964، وترعرع في بيئة مشبعة بالقيم الفنية والروحية المرتبطة بفن “إسمكان”. ومنذ طفولته المبكرة، كان يرافق جده إلى تجمعات “إسمكان” التاريخية التي كانت تحتضنها زاوية للا ميمونة بإنزكان، حيث تشكل وعيه الأول بأهمية هذا الإرث الثقافي المتجذر في عمق الهوية السوسية والأمازيغية.
ورث بيكا شغفه بهذا الفن عن أسلافه، فحمل المشعل منذ سبعينيات القرن الماضي، وعايش عن قرب كبار مقدمي “إسمكان” ورواده الذين صنعوا مجد هذه التقاليد الفنية والاحتفالية. وقد أتاحت له هذه التجربة المبكرة أن يكتسب معرفة دقيقة بطقوس الموسم السنوي لـ”إسمكان”، بما يحمله من أبعاد روحية واجتماعية وثقافية تجمع بين قيم التضامن والاحتفاء بالهوية الجماعية.
ويعد لحسن بيكا من أبرز الوجوه التي ساهمت في إحياء ظاهرة بيلماون بمدينة إنزكان بعد فترة من التراجع. ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، انخرط رفقة ثلة من شباب المدينة الغيورين على تراثهم في مشروع إعادة الاعتبار لهذا الكرنفال الشعبي، ليكون من المؤسسين الأوائل للحركة التي أعادت لبيلماون حضوره القوي في المشهد الثقافي السوسي. ومنذ سنة 1982، ظل اسمه مرتبطاً بمسار تطوير هذه التظاهرة وتحويلها إلى فضاء للاحتفاء بالإبداع الشعبي والذاكرة الجماعية.
ولم يتوقف دوره عند حدود الممارسة الميدانية، بل تحول إلى مرجع ثقافي وتراثي في مجال “إسمكان” وبيلماون، حيث راكم تجربة تمتد لأكثر من أربعة عقود، أهلته ليكون من الوجوه البارزة في التظاهرات التراثية الكبرى. كما شارك في تأطير العديد من المبادرات الثقافية المرتبطة بالموروث الأمازيغي، وساهم في التعريف بأبعاده التاريخية والرمزية لدى الأجيال الجديدة.
وبصفته رئيساً لجمعية سوس كناوة بإنزكان، عمل على صون التراث الموسيقي والاحتفالي المرتبط بالثقافة الشعبية، وظل مدافعاً عن ضرورة الحفاظ على الخصوصيات الثقافية المحلية باعتبارها جزءاً من الهوية المغربية المتعددة الروافد. كما ساهم في إبراز البعد الإفريقي لفن “إسمكان” وما يحمله من حمولات روحية وفنية وإنسانية تعكس عمق التفاعل الحضاري الذي ميز منطقة سوس عبر التاريخ.
وخلال فعاليات الدورة الثالثة لكرنفال بيلماون الدولي بمدينة أكادير، برز لحسن بيكا كأحد أبرز الفاعلين في المعرض التراثي المنظم بحديقة ابن زيدون، حيث استقطب رواقه أعداداً كبيرة من الزوار بفضل ما عرضه من آلات موسيقية أمازيغية عريقة، ولوحات فنية جلدية، ومقتنيات تراثية نادرة توثق لمسار طويل من العطاء والإبداع. كما حظي بإشادة واسعة نظير سعة معرفته وحسن استقباله وقدرته على تقديم شروحات دقيقة حول تاريخ وأبعاد هذا التراث.
وتوج هذا المسار المتميز باختياره عضواً ضمن لجنة تحكيم كرنفال بيلماون الدولي بأكادير، تقديراً لما راكمه من خبرة ومعرفة ميدانية دقيقة بمختلف مكونات الظاهرة التراثية، وليؤكد بذلك مكانته كأحد أبرز المرجعيات الثقافية في مجال بيلماون وإسمكان على الصعيدين المحلي والجهوي.
إن لحسن بيكا يمثل اليوم نموذجاً للمثقف الشعبي الحامل لذاكرة الجماعة، والرجل الذي استطاع أن يحول عشق التراث إلى مشروع حياة. وبين أهازيج “إسمكان”، وإيقاعات كناوة، وطقوس بيلماون، يواصل هذا المقدم المخضرم أداء رسالته النبيلة في حماية الذاكرة الجماعية لسوس، ونقلها إلى الأجيال القادمة باعتبارها جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية المغربية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News






