الثقافة

إنزكان : المغرب وأفريقيا..الإصدار والندوة

المغرب وأفريقيا في مرآة التاريخ والتراث والتفاعل العلمي والثقافي موضوع إصدار جماعي يوثق عمق الامتداد الإفريقي للمغرب ويؤطر نقاشات ندوة مركز وادي سوس وماستر المغرب في أفريقيا..

أكادير اليوم – احتضنت مدينة إنزكان، يوم السبت 20 يونيو 2026، ندوة وطنية حول موضوع “المغرب وإفريقيا: قضايا التاريخ والتراث.. قراءة في المصادر ومسارات التفاعل العلمي والثقافي”، نظمها مركز وادي سوس للدراسات والأبحاث بتعاون مع ماستر المغرب في أفريقيا والجماعة الترابية لإنزكان وشركاء أخرين.

وشكلت مناسبة لتقديم ومناقشة الكتاب الجماعي الصادر حديثاً تحت العنوان نفسه، والذي يعد ثمرة أعمال أكاديمية وبحثية تسعى إلى إعادة قراءة العلاقات المغربية الإفريقية من زوايا تاريخية وثقافية وعلمية متعددة.

ويأتي هذا الإصدار، الذي قدم له الدكتور شفيق أرفاك ونسقه كل من الدكتور عبد العزيز ياسين والدكتور مسعود بوكرن، في سياق الاهتمام المتزايد الذي توليه المملكة المغربية لعمقها الإفريقي، ليس فقط على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي، بل أيضاً من خلال إعادة استحضار الروابط الحضارية والإنسانية التي نسجها المغرب مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء عبر قرون طويلة.

من التاريخ إلى الراهن الإفريقي

تؤكد مقدمة الكتاب أن عودة المغرب إلى فضائه الإفريقي ليست خياراً سياسياً ظرفياً، بل امتداد لمسار تاريخي طويل تشكل عبر التجارة الصحراوية، والطرق الصوفية، والهجرات البشرية، وحركة العلماء والفقهاء، والتبادل الثقافي الذي ربط المغرب ببلدان الساحل والسودان الغربي وأقاليم إفريقيا الغربية والوسطى.

ويرى الدكتور شفيق أرفاك في تقديمه أن البحث الأكاديمي المغربي حول إفريقيا عرف خلال العقود الأخيرة تطوراً ملحوظاً، انتقل معه من الدراسات العامة ذات الطابع الوصفي إلى أبحاث متخصصة تعتمد الأرشيفات والمصادر المحلية والمقاربات المقارنة، بما يسمح بفهم أعمق للعلاقات المغربية الإفريقية في بعدها التاريخي والإنساني.

محور أول: التواصل التاريخي والثقافي

خصص الكتاب محوره الأول لدراسة جذور التواصل بين المغرب وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، من خلال مجموعة من الأبحاث التي تناولت أدوار المؤسسات والزوايا والطرق التجارية والعلمية في بناء جسور التواصل بين الضفتين.

وتوقفت الدراسات عند مساهمة الزوايا في تنشيط التبادل التجاري والثقافي خلال القرن التاسع عشر، كما ناقشت السياسة التعليمية الفرنسية في السنغال الاستعمارية وتأثيرها على الهوية وبناء النخب، إضافة إلى تتبع حضور المخطوطات الإفريقية في الخزانات المغربية باعتبارها شاهداً على عمق التفاعل العلمي بين المغرب وإفريقيا.

كما سلطت أبحاث أخرى الضوء على المبادرة الأندلسية في إحياء روح التواصل بين المغرب ودول الساحل، وعلى التمثلات التاريخية للاستعمار الفرنسي في إفريقيا والمغرب، فضلاً عن دراسة دور الأسر التجارية بواحات تافيلالت في ربط المغرب بأفريقيا جنوب الصحراء، وإبراز الإشعاع العلمي لمدرسة أولاد عبد المولى بمدينة شيشاوة في الفضاء الإفريقي.

محور ثان: المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء

أما المحور الثاني فركز على القضايا الراهنة والتحولات المعاصرة التي تشهدها العلاقات المغربية الإفريقية، خاصة في ما يتعلق بالهجرة والتنمية والتعاون الثقافي.

وتناولت الدراسات تحولات صورة المهاجر الإفريقي في المغرب والسنغال، وأشكال الهشاشة الاجتماعية المرتبطة بالهجرة غير النظامية، كما بحثت في الدور الذي اضطلع به المغرب الأقصى في نشر الثقافة الإسلامية بالسودان الغربي منذ القرن الثامن إلى القرن التاسع عشر.

كما ناقشت أبحاث أخرى مظاهر الحضور المغربي في دول غرب ووسط إفريقيا، وأهمية المشترك الديني والثقافي في تعزيز العلاقات المغربية السنغالية، بما يؤكد أن الروابط الروحية والعلمية لا تزال تمثل أحد أهم أسس التعاون بين المغرب وعمقه الإفريقي.

دعوة إلى تجديد البحث في أفريقيا

ويخلص الكتاب، ونقاش الندوة،  إلى أن الدراسات المغربية حول إفريقيا انتقلت من التركيز على الكيانات الجغرافية الكبرى إلى الاهتمام بالمجالات المحلية والشبكات البشرية ومسارات التفاعل اليومية، وهو ما أتاح فهماً أكثر دقة للعلاقات التاريخية بين المغرب وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

كما دعا عدد من المشاركين في الندوة والكتاب،  إلى مواصلة البحث في قضايا الهجرة والتبادل الثقافي والاقتصادي، واستثمار الأرشيفات المغربية والإفريقية والأجنبية من أجل إعادة كتابة تاريخ العلاقات المغربية الإفريقية بعيداً عن الصور النمطية والقراءات الاختزالية.

إصدار يؤرخ لعودة المغرب إلى عمقه الأفريقي

يشكل كتاب “المغرب وإفريقيا: قضايا التاريخ والتراث.. قراءة في المصادر ومسارات التفاعل العلمي والثقافي” مساهمة علمية مهمة في النقاش الأكاديمي حول إفريقيا، ويعكس الحركية التي تعرفها الجامعات ومراكز البحث المغربية في مجال الدراسات الإفريقية.

كما أن الندوة الوطنية التي نظمها مركز وادي سوس مع شركائه، حول هذا الإصدار أبرزت الحاجة إلى بناء معرفة علمية رصينة تستند إلى التاريخ والتراث والمصادر الأصلية، لفهم مسارات التفاعل بين المغرب وإفريقيا واستشراف آفاق التعاون المستقبلي بين شعوب القارة، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى