الثقافةصورة اليوم

تارودانت تودع مؤرخها الكبير أحمد بوزيد الكنساني.. رحيل أحد حراس الذاكرة التاريخية لسوس

  • أكادير اليوم – الحسن باكريم //

فقدت مدينة تارودانت، مساء أمس الثلاثاء 16 يونيو 2026، واحداً من أبرز أعلامها الثقافيين والباحثين في التاريخ والتراث، بوفاة المؤرخ والكاتب والباحث الأستاذ أحمد بوزيد الكنساني، بعد معاناة مع المرض، تاركاً وراءه إرثاً علمياً وثقافياً غنياً سيظل مرجعاً أساسياً للأجيال القادمة من الباحثين والمهتمين بتاريخ سوس والمغرب.

 «بوفاة أحمد بوزيد الكنساني.. تنطفئ شعلة منارات التاريخ والذاكرة بتارودانت»

وشكل خبر رحيل الكنساني صدمة وحزناً واسعاً في الأوساط الثقافية والأكاديمية بمدينة تارودانت وخارجها، حيث توالت رسائل التعزية والإشادة بمساره العلمي الطويل، باعتباره أحد أبرز حراس الذاكرة التاريخية للمنطقة، وأحد الباحثين الذين كرسوا حياتهم للتوثيق والبحث في تاريخ الجنوب المغربي وتراثه المادي واللامادي. وقد نعاه عدد من الفاعلين الثقافيين والباحثين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدين المكانة العلمية الرفيعة التي كان يحظى بها داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية.

وُلد الراحل أحمد بوزيد الكنساني بإقليم تارودانت يوم 28 ماي 1948، وتلقى تعليمه الأولي بكتاب قريته قبل أن يلتحق بالمعهد الإسلامي بتارودانت سنة 1959. وبعد أدائه الخدمة العسكرية الإجبارية، عاد لمواصلة دراسته بالمعهد نفسه، حيث حصل على شهادة الباكالوريا سنة 1969، ثم تابع تكوينه الجامعي بكلية الآداب بمدينة فاس، ليتخرج منها سنة 1973.

وبعد مسار مهني طويل في قطاع التعليم، اختار الراحل مغادرة الوظيفة العمومية سنة 2005 ليتفرغ للبحث والتأليف، وهي المرحلة التي شهدت نضجاً كبيراً في إنتاجه العلمي، حيث أصدر عدداً من المؤلفات التي أصبحت مراجع لا غنى عنها في دراسة تاريخ تارودانت وسوس.

ومن بين أبرز أعماله كتاب “محمد بن سليمان الروداني من أعلام المغرب في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي” الصادر سنة 1990، وكتاب “تاريخ الزجل الشعبي بتارودانت الملحون” سنة 1993، وكتاب “أحواش: الرقص والغناء الجماعي بسوس.. عادات وتقاليد” سنة 1996، إضافة إلى مؤلفه المرجعي “تاريخ تارودانت في العصر الوسيط إلى القرن الثامن الهجري” الصادر سنة 1999، والذي يعد من أهم الدراسات التي تناولت تاريخ المدينة خلال الفترات الوسيطية.

كما واصل الراحل مشروعه التوثيقي من خلال كتاب “تاريخ تارودانت في العصر الحديث: العصر السعدي” الصادر سنة 2006، فضلاً عن أبحاث ودراسات متعددة تناولت أعلام المنطقة وحركتها العلمية والثقافية والأدبية.

ولم تتوقف مساهماته عند حدود الكتب المنشورة، إذ خلف مجموعة من المخطوطات والدراسات غير المطبوعة ذات القيمة العلمية الكبيرة، من بينها مشروع كتاب “تاريخ تارودانت في العصر الحديث: العصر العلوي”، وكتاب “أعلام العلم والفكر بتارودانت خلال القرون الخمسة الأخيرة”، إلى جانب نصوص شعرية بالعربية والأمازيغية، ومذكرات ووثائق تاريخية كان يشتغل على إعدادها ونشرها.

وعُرف الراحل أيضاً بحضوره الإعلامي والثقافي، حيث شارك في العديد من الندوات واللقاءات الفكرية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية باللغتين العربية والأمازيغية، مدافعاً عن ضرورة صيانة الذاكرة الجماعية وحفظ التراث المحلي وتثمينه.

«رحيل أحمد بوزيد الكنساني.. تارودانت تفقد مؤرخها وذاكرتها الحية».

ويرى عدد من الباحثين والمهتمين بتاريخ سوس أن أحمد بوزيد الكنساني لم يكن مجرد مؤرخ يوثق للأحداث، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في البحث التاريخي المحلي، استطاع أن ينقذ جانباً مهماً من ذاكرة تارودانت من النسيان، وأن يضع بين أيدي الباحثين مادة علمية غنية حول تاريخ المدينة وأعلامها وموروثها الثقافي.

برحيل أحمد بوزيد الكنساني، تفقد تارودانت واحداً من أوفى أبنائها وأكثرهم إخلاصاً لذاكرتها التاريخية، فيما تفقد الساحة الثقافية المغربية باحثاً جاداً ومؤرخاً نذر حياته للمعرفة والتوثيق وخدمة التراث. غير أن أعماله ومؤلفاته ستظل شاهدة على مسيرة حافلة بالعطاء، ومصدراً لا ينضب لكل من يرغب في استكشاف تاريخ تارودانت وسوس وثرائهما الحضاري.

رحم الله الفقيد أحمد بوزيد الكنساني، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وأصدقاءه وتلامذته جميل الصبر والسلوان.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى