السياسة

حصيلة الحوار الاجتماعي في عهد حكومة أخنوش تعكس مجهوداً مالياً وتنظيمياً واضحاً مقابل مطالب نقابية أكبر

أكادير توداي- في سياق تخليد عيد الشغل، تعود واجهة النقاش العمومي في المغرب إلى تقييم مسار الحوار الاجتماعي، باعتباره أحد أهم محددات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وقد حرصت حكومة عزيز أخنوش على تقديم حصيلة تعتبرها “غير مسبوقة” من حيث حجم الكلفة المالية واتساع دائرة المستفيدين، في مقابل استمرار مطالب النقابات التي ترى أن المكاسب، رغم أهميتها، لا تزال دون سقف الانتظارات.

من زاوية المعطيات الرقمية، يظهر أن الحكومة راهنت على مقاربة شمولية للحوار الاجتماعي، لم تقتصر على الزيادات المباشرة في الأجور، بل امتدت إلى إصلاحات هيكلية همّت أنظمة الوظيفة العمومية والحماية الاجتماعية. فقد شملت الإجراءات زيادات مهمة في قطاعات استراتيجية مثل التعليم والصحة والتعليم العالي، إضافة إلى تعميم زيادة أفقية في أجور موظفي القطاع العام، وهو ما انعكس على رفع متوسط الأجر الصافي بشكل ملحوظ خلال الفترة ما بين 2021 و2026.

كما يشير المسار الحكومي إلى تحول نوعي في تدبير الحد الأدنى للأجور، سواء في القطاع العام أو الخاص، عبر زيادات تدريجية مرفوقة بأفق توحيد الحد الأدنى للأجر بحلول سنة 2028. هذا التوجه يعكس إرادة لإعادة التوازن لسوق الشغل وتقليص الفوارق بين القطاعات، خاصة بين الفلاحي وغير الفلاحي، وهي نقطة ظلت محور انتقاد طويل من قبل المركزيات النقابية.

في البعد الجبائي والاجتماعي، راهنت الحكومة على تحسين الدخل الصافي للأجراء عبر مراجعة الضريبة على الدخل، وهو إجراء ذو أثر مباشر على القدرة الشرائية، إلى جانب إصلاح نظام التقاعد المرتبط بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، عبر تخفيف شروط الاستفادة من معاش الشيخوخة. هذه التدابير مكنت فئات واسعة من الولوج إلى حقوق اجتماعية كانت سابقاً خارج متناولها، خصوصاً في صفوف العمال ذوي المسارات المهنية غير المستقرة.

ومن بين المؤشرات اللافتة كذلك، إدماج فئات مهنية كانت تعاني هشاشة بنيوية، مثل حراس الأمن الخاص، في إطار مقاربة تروم تقنين علاقات الشغل وضمان الحد الأدنى من الحقوق. كما يشكل إصدار قانون الإضراب محطة مفصلية في تاريخ التشريع الاجتماعي بالمغرب، بالنظر إلى محاولته تحقيق توازن دقيق بين حرية الاحتجاج وضمان استمرارية المرافق الحيوية.

غير أن القراءة التحليلية لهذه الحصيلة تقتضي، حسب ممثلي النقابات، خاصة الاتحاد المغربي للشغل، تطالب تجاوز منطق الأرقام إلى مساءلة الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على المستوى المعيشي.

فارتفاع الأجور، رغم أهميته، تؤكد النقابات، يظل مرتبطاً بسياق اقتصادي يتسم بارتفاع كلفة المعيشة والتضخم، ما يحد من انعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية. كما أن نجاح الحوار الاجتماعي لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية، بل بمدى ترسيخ آليات مؤسساتية دائمة تضمن استمراريته ونجاعته.

وفي هذا الإطار، تبرز محاولة مأسسة الحوار الاجتماعي عبر ميثاق وطني كخطوة نحو الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق التعاقد الاجتماعي المستدام. غير أن التحدي الحقيقي يظل في قدرة هذا الإطار على استيعاب مختلف الفاعلين الاجتماعيين، وضمان تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، بعيداً عن التوترات الموسمية التي تطبع علاقة الحكومة بالنقابات.

خلاصة القول، إن حصيلة حكومة عزيز أخنوش في مجال الحوار الاجتماعي تعكس مجهوداً مالياً وتنظيمياً واضحاً، لكنها تظل مفتوحة على اختبارين أساسيين: اختبار الأثر الاجتماعي الحقيقي على فئات الشغيلة، واختبار الاستدامة المؤسساتية لهذا الحوار في ظل تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى