
نساء من المغرب : فدوى الرجواني ..التلميذة التي لم تغادر سبورة الذاكرة
- يوسف غريب //
لم تكن في ذاكرتي مجرد تلميذة في السنة النهائية من الباكالوريا.. بل كانت سؤالًا مفتوحًا داخل القسم… سؤالًا عن المستقبل وعن المعنى
وعن القدرة على أن يكون للإنسان طريقه الخاص. كنت أراها بين زميلاتها هادئة في ظاهرها لكن بعينين لا تكفّان عن التفكير كأنهما تكتبان سيرة لم تبدأ بعد
منذ تلك الأيام
كان واضحًا أنها لا تميل إلى الطرق السهلة
لم تكن تبحث عن أجوبة جاهزة.. ولا عن مسارات موروثة
كان يمكنها مثل كثيرين أن تسير في خطى والديها وأن تختار الأمان الذي توفره العادة
لكنها كانت في العمق تميل إلى المغامرة الهادئة
إلى أن تكتشف نفسها خارج كل القوالب الجاهزة
حين غادرت أسوار الثانوية لم تنقطع الحكاية بل بدأت فعليًا
تابعتُ مسارها كما يتابع الأستاذ ثمرة جهده لا بتدخل بل بدهشة ممزوجة بالاعتزاز
اختارت السياسة وانخرطت في صفوف القوات الشعبية لا بحثًا عن موقع بل عن دور.
وهناك بدأت تبني نفسها لبنة لبنة دون استعجال ودون ضجيج.. لأنها أصلاً ليست من هواة ( المصاعد) بل من المؤمنات ببركة ( الدرج) درجة درجة..
حتى لا تفقد الإتصال بالأرض
تدرّجت داخل الأجهزة التنظيمية للحزب كما كنت أتوقع لها:
بالصبر ذاته الذي كانت تحلّ به أسئلتها والإصرار الذي كان يميزها في القسم
وما لفتني أكثر.. وأنا أراقب مسارها من بعيد هو ذلك الحس الإنساني الذي لم تفقده. بقيت كما عرفتها: قريبة من الناس.. من التفاصيل الصغيرة.. من جوهر الأشياء.
كانت تعرف ربما أكثر من غيرها أن السياسة بلا إنسانية تفقد روحها
ومع الزمن لم يعد حضورها عابرًا..صار اسمها يُقرأ في سياق الفعل لا في هامش الكلام.
وحين وصلت إلى المكتب السياسي، لم يكن ذلك صعودًا مفاجئًا.. بل كان كشفًا عن مسارٍ كان يتشكل بصبرٍ عميق وبإصرارٍ لا يحتاج إلى ضجيج
وكأن تلك التلميذة التي كانت تجلس في الصف الأول وتكتب صمتها في ورقة قد وصلت أخيراً إلى الصفحة التي كانت تكتبها منذ البداية
هي حكاية اختيار َ
قبل أن تكون حكاية وصول
حكاية من قررت أن تبني ذاتها خارج القوالب وأن تُثبت بهدوء الواثقين أن الطريق الأصدق هو الذي نشيّده بعرق اليقين
هي اليوم لا تمثل قصة نجاح فردي بل تمثل دليلاً على أن المدرسة حين تزرع في النفوس حق الاختيار فإنها تحصد قادة يصنعون الفارق
بل هي واحدة من أولئك الذين أكدوا مع مرور الزمن أن بعض التلاميذ لا يعبرون حياة الأستاذ مرورًا عابرًا بل يتركون في نفسه شعورًا عميقًا بالرضى والإعتزاز ويجددون يقينه بأن الرهان على الإنسان
– مهما بدا صامتًا أو مترددًا-
هو دائمًا الرهان الرابح
- يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



