
تارودانت: كراء “فدان المسجد” بأفريجة يهدد مصالح الساكنة
أكادير اليوم – يبدو أن جماعة أفريجة بإقليم تارودانت تقف اليوم أمام نموذج مصغر لاختلالات تدبير الشأن المحلي في العالم القروي، حيث يتقاطع ملف كراء أرض وقفية تُستغل منذ عقود كمرفق جماعي مع إشكالات أعمق ترتبط بالأمن المائي، وشفافية الصفقات، ومفهوم المصلحة العامة.
التحذير الذي أطلقته فعاليات المجتمع المدني، وعلى رأسها جمعية شباب أفريجة للأعمال التنموية والمحافظة على التراث، لا يمكن التعامل معه كمعطى ظرفي أو اعتراض معزول، بل كإشارة قوية على توتر متصاعد بين الساكنة المحلية وآليات اتخاذ القرار في تدبير الموارد المشتركة.
فالأرض المعروفة بـ“فدان المسجد” ليست مجرد وعاء عقاري قابل للتفويت، بل فضاء اجتماعي متعدد الوظائف ظل لسنوات جزءاً من التوازن المحلي، سواء من حيث الاستعمال الجماعي أو ارتباطه غير المباشر بمنظومة التزود بالماء.
الأمن المائي في قلب الإشكال
ما يضفي على هذا الملف حساسية خاصة هو البعد المرتبط بالماء، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة مائية بنيوية. الحديث عن احتمال تهديد بئر قريب يُستعمل للتزود بالماء الصالح للشرب يضع القضية في إطار يتجاوز مجرد نزاع حول كراء أرض، ليصل إلى مستوى الأمن المائي المحلي.
في هذا السياق، يصبح أي نشاط فلاحي غير مضبوط، خصوصاً إذا كان يعتمد على استنزاف الفرشة المائية أو استعمال مواد قد تؤثر على جودة المياه، مصدر قلق مشروع. وهو ما يتعارض، من حيث المبدأ، مع روح قانون الماء 36.15 الذي يؤكد على حماية الموارد المائية وضمان استدامتها، خاصة في المناطق القروية التي تعاني من الإجهاد المائي.
الشفافية الغائبة: السمسرة تحت المجهر
إلى جانب البعد البيئي، تطرح المراسلة نقطة لا تقل أهمية تتعلق بمدى احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص في مسطرة السمسرة العمومية. فحين تشكك الساكنة في نزاهة الإجراءات، وتُثار مسألة عدم مراعاة الأسبقية التاريخية للاستعمال الجماعي، فإن الأمر يتجاوز الشكليات القانونية ليصل إلى جوهر الثقة في المؤسسات.
السمسرة العمومية، من حيث الأصل، يفترض أن تكون آلية لضمان المنافسة العادلة وحسن تدبير الملك الوقفي، لكن حين تُفرغ من مضمونها التشاركي، تتحول إلى أداة لإعادة توزيع الموارد خارج منطق الإنصاف المجالي.
بين الوقف والمرفق الجماعي: أي منطق للتدبير؟
الخصوصية القانونية للأراضي الوقفية تفرض بدورها نقاشاً أعمق: هل يمكن التعامل مع وعاء عقاري له وظيفة اجتماعية متجذرة بنفس منطق الكراء الفلاحي المحض؟ وهل تم تقييم الأثر الاجتماعي والبيئي لمثل هذا القرار قبل اتخاذه؟
في التجارب المقارنة، يُفترض أن يخضع أي تغيير في طبيعة استغلال فضاء جماعي لتقييم تشاركي يأخذ بعين الاعتبار احتياجات الساكنة وتوازنات المجال، وليس فقط العائد المالي الآني.
دعوة إلى تصحيح المسار
المراسلة الموجهة إلى والي جهة سوس ماسة وعامل إقليم تارودانت والجهات المختصة، تضع الكرة الآن في ملعب السلطات الترابية والمؤسسات المعنية. فالمطلوب لا يقتصر على التحقق من سلامة المسطرة، بل يمتد إلى إعادة التفكير في نموذج تدبير الموارد المحلية، خاصة في سياق يتسم بندرة المياه وتزايد الهشاشة القروية.
إن إعادة تقييم عملية الكراء، وفتح تحقيق شفاف في ظروفها، واعتماد مقاربة تشاركية تُشرك الساكنة في اتخاذ القرار، كلها خطوات ضرورية لاستعادة الثقة وضمان عدم تحول مثل هذه الملفات إلى بؤر توتر اجتماعي.
في النهاية، يطرح ملف أفريجة سؤالاً مركزياً: هل ما تزال المصلحة العامة هي البوصلة الفعلية للقرارات المحلية، أم أنها أصبحت مجرد شعار يُستدعى عند الحاجة؟
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



